في ضرورة ترجمة الإيديولوجيا إلى سياسة في سوريا – الإسلام السياسي وخصومه والحاجة إلى طريق يمنع انهيار البلد

سامر الجنيدي

كان الربيع العربي زلزالاً كشفَ هشاشة بُنى الدولة والمجتمع في عدد من البلدان العربية. واليوم، بعد أكثر من عقد على تلك اللحظة، تبدو المنطقة أمام مآلات متباينة: انهيارات شاملة كما في ليبيا واليمن والسودان، أو عودة جزئية إلى «السيستم» القديم بوجوه جديدة كما في تونس ومصر والجزائر. وإذا كانت التدخلات الدولية والإقليمية والمؤسسات العسكرية قد لعبت دوراً كبيراً في كبح مسارات التغيير، فإن ثمة عاملاً داخلياً لا يقل أهمية استنزفَ طاقات المجتمعات والقوى السياسية معاً، هو التخندق الإيديولوجي الحاد بين الإسلاميين من جهة و«الحداثيين» من جهة أخرى، وأعني بالحداثيين في سياق هذا المقال من يرون أن شرعية الدولة يجب أن تقوم على المواطنة والقانون والمؤسسات المدنية، وليس على المرجعيات الدينية أو الهوياتية.

هذا الاستقطاب لم يكن مجرد خلاف فكري طبيعي داخل مجتمعات تمر بمرحلة انتقالية، بل تحوَّلَ إلى ما يشبه «الثقب الأسود» الذي ابتلعَ إمكانات العمل السياسي المشترك. فبدلاً من تحويل التباينات الإيديولوجية إلى تَنافُس حول البرامج الاقتصادية والاجتماعية وأشكال الإدارة والحكم، جرى التعامل معها بوصفها صراعاً وجودياً بين هويتين متناقضتين، لكلٍّ منهما شكوكه التاريخية ومخاوفه العميقة من الآخر.

في الحالة السورية، وبسبب تأخر سقوط النظام ما يزيد عن ثلاث عشرة سنة، عصفَ «الثقب الأسود» بطرفي الصراع حين امتنعَ جزءٌ مهم من النخب «الحداثية» عن الانخراط الجدي في مؤسسات المعارضة الناشئة، خوفاً من الهيمنة الإسلامية أو حفاظاً على «نقاء» إيديولوجي، فيما اتجهت قوى إسلامية داخل تلك المؤسسات إلى تهميش غيرها والاستئثار وإعادة إنتاج منطق الغَلَبة. وكانت النتيجة أن هياكل مثل المجلس الوطني والائتلاف فشلت في التحول إلى إطار وطني جامع قادر على تمثيل السوريين، أو على إدارة خلافاتهم السياسية بصورة مُنتجِة.

لكن خصوصية الحالة السورية لا تتعلق فقط بفشل المعارضة، بل أيضاً بطبيعة الدولة التي خرجت من الحرب. ففي تجارب أخرى، كما في مصر أو تونس، بقيت هناك «دولة عميقة» أو بيروقراطية مستقرة نسبياً حافظت على قدر من الاستمرارية الإدارية والمؤسساتية. أمّا في سوريا، فقد أدى انهيار الجيش وتفكّك البنية الأمنية، مع طول الحرب، إلى تغيير طبيعة الصراع نفسه: فلم يَعد صراعاً على السيطرة على دولة قائمة، بل على إدارة فراغ هائل ومجتمع مُمزَّق واقتصاد مُنهَك غابت فيه الدولة العميقة التي كان يمكن الاستقواء بها. وفي واقع الأمر، نحن أمام شظايا مجتمع فجرته سنوات الحرب. وصعدت فيه فواعل محلية تقتات على «الهوية» لتعويض الغياب المزمن لـ«المواطنة».

ولهذا، فإن استمرار النقاش السوري داخل القوالب الإيديولوجية القديمة يبدو أقرب إلى العجز عن رؤية الواقع. فالمجتمع اليوم يواجه أسئلة تتعلق بالاقتصاد، والإدارة، والاستثمار، والخدمات، وإعادة بناء المؤسسات، لا مجرد أسئلة الهوية والشعارات الكبرى. والخلاف حول «شكل الدولة العقائدي» لن يُجيبَ عن أسئلة الكهرباء والبطالة والخبز وإعادة الإعمار واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي. إن بقاء الصراع في مربعه الإيديولوجي يعني بقاء «اللغة» عاجزة عن وصف «الواقع»؛ ولذا فإن الخطوة الأولى تبدأ بـ«تفكيك القالب الإيديولوجي»، وترجمة المصطلحات من فضاء العاطفة والريبة والقداسة إلى برودة العلوم السياسية ولغة المصالح المادية.

فبدلاً من إصرار الفاعل الحداثي على قراءة الفاعل الإسلامي كمتخلفٍ بعيد عن العصر، يمكنه بمنظور العلوم السياسية مقاربته كـ«تيار يميني محافظ». وحين ننظر إلى الفصيل أو التنظيم الإسلامي بوصفه «قوة صاعدة» وصلت إلى السلطة عبر مسار صِدامي، سيبدو سلوكه مألوفاً ومفهوماً؛ فالزبائنية السياسية وتعيين الموالين في مفاصل الإدارة ليس «تمكيناً عقائدياً» بالضرورة، بل هو سلوك كلاسيكي للقوى الجديدة لتأمين بقائها، ومحاولة التغطية على الفشل الإداري بشعارات «الشرعية الثورية»، هو تكتيك سياسي مُكرّر في تجارب الثورات الفرنسية والبلشفية والإيرانية. وحين نتحرر من ثقل المفاهيم الإيديولوجية، سنُصبح قادرين على محاسبة هذه القوى على أدائها في «الاقتصاد السياسي» لا على «النوايا».

وبالمقابل، على «الإسلامي» الحاكم أن يعي أن غياب الدولة العميقة قد يكون عنصر قوة له، ولكنه في الوقت نفسه عنصر خطر قد يدفع البلد من جديد إلى أتون حروب أهلية جديدة، وأن «سنغافورة» الحلم ستتحول إلى كابوس حين يواجه مأزق الفشل الإداري والجوع، وهو مأزق لا تحله الشعارات بل «الصفقة السياسية الباردة». إن المَخرَجَ السوري المعقول لا يمر عبر منطق «الاستئصال» الذي أثبت فشله في تجارب المنطقة، بل عبر بناء صيغة سياسية باردة وواقعية تقوم على المصالح المتبادلة لا على الأحلام الإيديولوجية؛ تعاقدُ ضرورةٍ يقوم على مقايضات بنيوية تخترق الإيديولوجيا لتصل إلى المصالح الحيوية، وهي عملية تحتاج إلى الإخلاص للبلد، وإلى وطنية تعي المخاطر وتتجاوز الـ«إيغو» عند الطرفين لمنع تَحوُّل الغَلَبة السياسية والعسكرية المؤقتة إلى احتكار دائم للدولة.

قد تبدأ هذه العملية بقبول الإسلاميين بفكرة «دولة القانون» والتنازل عن فكرة «الدولة العقائدية» لصالح مجال عام مُحايد يحمي التعدُّد السياسي والتكنوقراطي، مقابل خضوعه لقواعد التداول والمحاسبة. وبالمقابل، يحتاج الحداثيون إلى تجاوز فكرة انتظار «الخلاص الخارجي»، والاعتراف بأن الإسلاميين يُمثّلون جزءاً فعلياً من البنية الاجتماعية والسياسية السورية، وأن التعامل معهم يجب أن يكون بوصفهم خصماً سياسياً يمكن محاسبته وتقييده بالقانون والمؤسسات، لا باعتبارهم خطأ تاريخياً يمكن شطبه.

إن الانتقال من «صراع الوجود» إلى «صراع المصالح والحدود» هو وحده ما قد يسمح بإعادة تشكيل الحياة السياسية السورية على أُسس أكثر واقعية. فالمصالح الاقتصادية، وإعادة بناء الإدارة، والحاجة إلى الاستقرار، واستعادة دورة الإنتاج والخدمات، كلها عوامل قادرة على خلق تقاطعات جديدة تتجاوز الاصطفافات القديمة. وربما تبدو الحساسيات بين الطرفين اليوم جبالاً هائلة، لكنها في كثير من الأحيان جبالٌ من ورق حين تُوضَع أمام استحقاقات البقاء وإدارة الدولة.

المشكلة في سوريا ليست في تَعدُّد التيارات، بل في عجزها حتى الآن عن إنتاج لغة سياسية مشتركة تُدار عبرها الخلافات ضمن قواعد مستقرة. والسوريون اليوم لا يحتاجون إلى انتصار إيديولوجي لطرف على آخر، بقدر حاجتهم إلى هدنة تسمح ببدء ممارسة السياسة بوصفها إدارة للمصالح العامة، لا استمراراً للحرب بأدوات أخرى. فالدولُ لا تُبنى بالشعارات، بل بالتوازنات الصعبة، والتسويات المُرّة، والمؤسسات التي تحمي الجميع من الجميع. والسؤال الحقيقي اليوم ليس: «من ينتصر إيديولوجياً؟»، بل: «من يمتلك القدرة على منع ما تبقى من سوريا من الانهيار؟». فهل ننتظر الخطوة الأولى من «مشايخ» الطرفين وعقائدييهم؟ أم أن جيلاً شاباً يمتلك لغة المصالح والحقوق قد يفرض نفسه داخل الصراع، وربما خارجه، ليكون هو المهندس الحقيقي لهذا العقد الاجتماعي الجديد؟

  • الجمهورية نت

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

يونيو 2026
س د ن ث أرب خ ج
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930  

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist