“ندرك جيداً أن حريتنا لن تكتمل ما لم ينل الفلسطينيون حريتهم”. هذا ما قاله نلسون مانديلا، أول رئيس لجنوب أفريقيا بعد تحررها من نظام الفصل العنصري. والاتهام المبطن الذي جاء هنا على لسانه بأن إسرائيل تمارس نظام الأبارتيد نفسه الذي عاناه أبناء تلك البلاد من غير البيض، ذكره صراحة كبير الأساقفة ديزموند توتو والعديد من قادة البلاد التاريخيين، بمن فيهم يهود. وبوسع مانديلا وتوتو، أن يناما قريري العين، فبريتوريا لا تزال على العهد، صديقة صدوقة لفلسطين ولغزة.
نجا مانديلا من سيل الاتهامات الظالمة بـ“معاداة السامية” الذي يُغرق كل من يتجرأ على التشكيك في سمو إسرائيل الأخلاقي. فالرئيس الأسبق سعى إلى عدم قطع “شعرة معاوية” معها. ولم يفته أن يشدّد على حقها بالحياة، كما قبل شهادة دكتوراه فخرية من جامعة بن غوريون.
أما كبير الأساقفة توتو فعومل معاملةً مختلفة. مثلاً، وصفه آلان ديرشوفيتز، وهو محام أميركي من عتاة الصهاينة، بأنه “شرير” و”أكثر المعادين للسامية نفوذاً في زمننا”. تذكر حائز نوبل للسلام، زيارته الأولى لفلسطين قائلاً: “لقد ذهبت إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، وشاهدت المساكن والطرق المقسمة على أساس عرقي، الأمر الذي ذكرني جداً بالظروف التي عشناها في جنوب أفريقيا في ظل نظام الأبارتيد العنصري”. ومعروف عن توتو شجاعته والتزامه دعم المظلومين. وقد زار فلسطين مراراً وتحدث بجرأة عما رآه هناك، فكيف تغفر له إسرائيل وأنصارها قول الحقيقة؟
وجنوب أفريقيا وقفت موقفاً شجاعاً من أحداث غزة الدامية ربما لم يقفه أحد. برلمانها قرر تجميد العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل واستدعت الحكومة جميع موظفيها العاملين هناك. وإذ أكد الرئيس سيريل رامافوزا أن بلاده “لا تتسامح مع الأفعال التي قامت بها حماس”، فهو أوضح أن غزة قد “تحولت الآن إلى معسكر اعتقال تمارس فيه عمليات إبادة”.
وأطلقت وزيرة شؤون الرئاسة خومبودزو ناتشافيني تصريحاً نارياً اعتبرت فيه أنه “لا يمكن التسامح مع عملية إبادة (…) ومن غير المقبول أن تكون هناك محرقة نازية أخرى في تاريخ البشرية”. من يجرؤ على المقارنة بين إسرائيل، “أم الضحايا”، والنازية؟ وجاءت هذه الكلمات في سياق توتر متعاظم اشتمل على طلب بريتوريا رسمياً من المحكمة الجنائية الدولية أن تحقق مع إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم حرب. في هذه الأثناء، رددت وزيرة الخارجية نيلدي باندور، صدى تصريحات قديمة – جديدة عن الشبه الكبير بين غزة اليوم في ظل الاحتلال الإسرائيلي وجنوب أفريقيا الأمس حينما رزحت تحت نير نظام عنصري.
والحديث عن الماضي في مكانه. فالعلاقة بين حزب المؤتمر الوطني الأفريقي ومنظمة التحرير الفلسطينية تعود إلى مراحل مبكرة من نضالهما. كان ثوار جنوب أفريقيا قد تعاطفوا حتى ستينات القرن الماضي مع رغبة اليهود بإنشاء دولتهم، وتلقوا قدراً من الدعم من هؤلاء “الأصدقاء”. لكنهم لم يلبثوا أن صُدموا، في العقدين التاليين، بالعلاقات الوثيقة التي أقامتها الدولة الناشئة مع مضطهديهم العنصريين البيض. وفي الوقت نفسه لمسوا التشابه في المعاناة وجذورها بينهم وبين الفلسطينيين. وأدى هذا إلى تغير جذري في مواقفهم من إسرائيل. كما رسّخ علاقاتهم مع منظمة التحرير الفلسطينية حتى باتت ذات طبيعة استراتيجية منذ ثمانينات القرن العشرين. وصارت جنوب أفريقيا واحدة من أكثر الدول انتقاداً لإسرائيل منذ عام 1994، مع تسلم حزب المؤتمر الوطني الأفريقي زمام السلطة في بريتوريا.
لقيت هذه السياسة الدعم من بعض أحزاب البلاد، كما كان هناك معارضون لها. ومع اندلاع حرب غزة، تحفظ هؤلاء عن تعاطي الحزب الحاكم معها. هكذا شجب “حزب إنكاثا للحرية” اليميني الأسود هجمات “حماس” في السابع من تشرين الأول (أكتوبر). كما حذا حذوه حزب “التحالف الوطني” اليميني المتطرف الأسود. ومن جانبه، أعرب حزب “التحالف الديموقراطي” الذي تعود أصوله إلى تكتل البيض المناهضين لنظام الفصل العنصري في خمسينات القرن الماضي، عن تأييده لإسرائيل منتقداً سكوت الحكومة عن “فظائع حماس”.
أما اليهود الذين يقدر عددهم بنحو 50 ألف نسمة في البلاد التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 60 مليون نسمة، فقد ندد بعضهم بقوة بموقف الحكومة من “طوفان الأقصى” معرباً عن تضامنه الكامل مع إسرائيل. مثلاً أخذ وارن غولدشتاين، الحاخام الأكبر لجنوب أفريقيا على بلاده التصرف حيال الأحداث الدامية في القطاع بما “يستحق التوبيخ “. أما “مجلس المندوبين لليهود في جنوب أفريقيا” فرأى أن موقف الحكومة الرسمي كان “غير مدروس ولا أخلاقياً ويحقق نتائج عكسية في نهاية المطاف”.
وخلافاً لهؤلاء، كان ولا يزال هناك العديد من اليهود المؤيدين لفلسطين منذ البدايات الأولى. وفي طليعتهم جو سلوفو (1926-1995) الوزير السابق وأحد كبار قادة الحزب الشيوعي الجنوب أفريقي والمؤتمر الوطني الأفريقي، الذي عرفت عنه شجاعته وفعاليته كواحد من أركان الكفاح المسلح ضد نظام الأبارتيد. لم ينكر سلوفو على إسرائيل حقها في الحياة لكنه اتهم “الصهاينة” الإسرائيليين بـ”ارتكاب أعمال إبادة ضد شعب فلسطين الأصلي”.
وكان بين الناشطين اليهود الأوائل المعادين لنظام الفصل العنصري في نسختيه الجنوب أفريقية والإسرائيلية شخصيات شهيرة مثل الرسام آرثر غولدريتش والمعماري ليونيل برنشتاين. رحل هذان، ولا يزال روني كاسريلز (85 عاماً)، الوزير السابق والمناضل المخضرم، لا يتعب من تسليط الضوء على سياسات إسرائيل. وأسس لهذه الغاية مجموعة أطلق عليها “ليس باسمي”. وفي مقالة له بعد اجتياحها لبنان في 2006، كتب كاسريلز “يجب أن نسمي قتلة الأطفال (قتلة أطفال) ونعلن أن أولئك الذين يستعملون أساليب تذكر بالنازية بأنهم يتصرفون كالنازيين”. وفي 7 تشرين الأول وقع على بيان جاء فيه أن “عملية حماس في إسرائيل هي [عملية] مقاومة مشروعة”. إلا أن المسؤول السابق الذي التقى وهو لا يزال في الحكومة إسماعيل هنية، أكد دوماً تأييده لجهود السلام الرامية إلى حلّ الصراع على أساس الدولتين.
والرئيس رامافوزا يؤيد هذا الخيار بقوة. وهو رجل سلام لعب دوراً أساسياً في صناعة اتفاقية الجمعة العظيمة (1998) في إيرلندا الشمالية وإنجاحها، وزعيم بلد عضو في تجمع “بريكس” الاقتصادي القوي. فلماذا لا يعمل على دفع عجلة السلام في الشرق الأوسط؟
قد يجادل البعض في أنه قطع الطريق على نفسه بإعلان أن نظام إسرائيل صورة طبق الأصل من نظام الفصل العنصري السابق في بلاده. كما رفض اعتبار “طوفان الأقصى” عملاً إرهابياً واكتفى بالتعبير عن الأسف لما حصل وبتعزية ذوي الضحايا من الطرفين، وهو يرتدي الكوفية الفلسطينية!
لكن متى كانت إسرائيل – نتنياهو تريد سلاماً يستند إلى حل الدولتين الذي يؤمن به رامافوزا والعديد من أصدقائه الخُلّص؟
“النهار العربي “


























