واشنطن – من هشام ملحم:
الخرطوم، لاهاي – الوكالات:
أعلن الرئيس الاميركي باراك اوباما استراتيجية جديدة في التعامل مع السودان، تعتبر تراجعا نوعيا عن مواقفه الاكثر تصلبا خلال حملته الانتخابية، وتهدف الى اخراج السودان من عزلته الدولية وتعد بحوافز اقتصادية وسياسية اذا غيرت الخرطوم سلوكها، وفي الوقت عينه تبقي سيف العقوبات والضغوط الاقتصادية مصلتاً فوق رأس الرئيس عمر حسن احمد البشير اذا استمر في سياساته الراهنة. ويمكن وضع هذه الاستراتيجية في سياق التوجه العام لاوباما الى اعتماد سياسة التحاور والسعي الى الحلول الديبلوماسية مع الدول التي تربطها علاقات متوترة أو حتى عدائية مع واشنطن مثل ايران وسوريا. وقال اوباما في بيان صدر بإسمه ان المجتمع الدولي يجب ان "يتحرك بالحاح" من اجل "انهاء حرب الابادة والانتهاكات الشاملة لحقوق الانسان في دارفور"، وتطبيق اتفاق السلام الشامل في الجنوب الموقع في 2005، كما من أجل ايجاد امكان للسلام على المدى البعيد". وشدد على ان هذين الهدفين "يجب ان يتحققا في الوقت عينه وبالالحاح ذاته".
ويعتقد ان توقيت اعلان هذه الاستراتيجية مرتبط بتطورات ميدانية مقلقة دفعت الامم المتحدة الى التحذير اخيراً من احتمال حصول تصعيد لاعمال العنف في دارفور.
وتطرقت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، ومندوبة واشنطن الدائمة لدى الامم المتحدة الوزيرة سوزان رايس، والمبعوث الخاص الى السودان سكوت غرايشن، الى بعض تفاصيل الاستراتيجية الجديدة.
ويأتي هذا الموقف الاميركي بعد "مراجعة مكثفة" داخل الحكومة، وبعد حسم الخلاف بين تيار تقوده رايس ويدعو الى اعتماد موقف متشدد من الحكومة السودانية، وغرايشن الذي دعا في السابق الى اعطاء حكومة الخرطوم "الكعكات المحلاة" و"النجوم الذهبية" حوافز لتشجيع السلوك الايجابي والتعاون مع واشنطن والمجتمع الدولي.
وكانت الولايات المتحدة خلال الولاية الاولى للرئيس السابق جورج بوش قد اتهمت السودان بارتكاب جرائم ابادة في حق سكان اقليم دارفور، اذ تقدر الامم المتحدة عدد الضحايا خلال السنوات الست الاخيرة باكثر من 300 الف شخص.
وللتدليل على ان واشنطن ستبقي سلاح العقوبات في يدها، قال أوباما انه سيجدد هذا الاسبوع العقوبات الاميركية المفروضة على السودان، ولكن "اذا تصرفت حكومة السودان بطريقة تؤدي الى تحسين الوضع على الارض ودفع السلام الى الامام، سوف تكون هناك حوافز، واذا لم تفعل ذلك سوف تكون هناك ضغوط متزايدة من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي". الا انه لم يحدد طبيعة الحوافز التي يمكن ان تقدمها واشنطن، وهي حوافز قالت مصادر رسمية ان الحكومة تريد ان تتكتم عليها في هذه المرحلة.
وتحدثت كلينتون عن اهمية منع السودان من التحوّل مركزاً للارهاب ومصدراً للاضطرابات. وبعدما ذكّرت بمواقفها القوية السابقة ضد حرب الابادة في دارفور، قالت في محاولة لتبرير التحوّل الراهن ان تركيزنا "في هذا الوقت يجب ان يكون على طريقة التحرك الى الامام والعثور على الحلول". ورأت ان تحقيق اهداف الاستراتيجية الاميركية الثلاثة: وقف الابادة في دارفور وتطبيق الاتفاق الخاص بالجنوب وعدم توفير الدعم السوداني للارهاب، يقتضي دخول "حوار واسع وصريح" مع الحكومة السودانية، وان تكن حذّرت من ان "الكلام وحده لا يكفي".
اما رايس، فقالت ان الولايات المتحدة مستعدة للعمل مع الحلفاء من اجل وقف الابادة في دارفور وتطبيق اتفاق السلام في الجنوب، "وسوف نستخدم الحوافز بالشكل المناسب ونفرض الضغوط الحقيقية اذا دعت الحاجة على اي طرف يخفق في التصرف بطريقة تؤدي الى تحسين حياة الشعب السوداني… لن تكون هناك اي مكافآت للوضع الراهن، ولا حوافز دون تقدم ملموس وواضح".
وتفادت كلينتون الحديث بوضوح عن طبيعة الحوافز والضغوط واكتفت بأن "لدينا قائمة بالحوافز والضغوط السياسية والاقتصادية التي ندرسها، اما لاحراز التقدم واما لتوجيه رسالة واضحة تقول ان التقدم الذي ننشده لا يحصل". وشددت على ان العقوبات ستبقى جزءاً عضوياً من الاستراتيجية الاميركية، "واعتقد ان التزام الرئيس العقوبات وسيلة تستخدم في التعامل مع القيادة السودانية، هي مهمة لسياستنا الشاملة اليوم كما كانت بالامس وكما ستبقى في الغد… سوف ندرس هذه العقوبات بدقة للتأكد من انها سوف تؤدي الى احداث التغييرات في الظروف التي نعاينها. لكنها وسيلة، وهي وسيلة استخدمناها وسوف نواصل استخدامها".
وعن احتمال تعاون الصين، وهي من اهم الدول الكبرى التي تربطها علاقات اقتصادية وعسكرية مهمة مع السودان، مع السياسة الاميركية، قال غرياشن: “الصينيون كانوا ايجابيين جداً واذا نظرتم الى اهدافهم في المنطقة، فإنها تتطلب الاستقرار والامن".
الرد السوداني
• في الخرطوم، تحدث مستشار الرئيس السوداني غازي صلاح الدين عن "نقاط ايجابية" في "استراتيجية الالتزام" الجديدة للولايات المتحدة حيال السودان. وقال: "مقارنة بسياسات الماضي، ثمة نقاط ايجابية احداها اننا لا نلاحظ أفكاراً واقتراحات متطرفة كما لاحظنا في الماضي". وأضاف خلال مؤتمر صحافي ان "هذه الأفكار المتطرفة" كان يدافع عنها من يؤيدون "تدخلاً عسكرياً في السودان" واقامة "منطقة حظر جوي" فوق دارفور. وأوضح "انها استراتيجية التزام وليست استراتيجية عزل". لكنه سجل ان السياسة الاميركية الجديدة تحمل الخرطوم مسؤولية اتخاذ مبادرات على ان ترد واشنطن على هذه المبادرات.
ورحبت الحركة الشعبية لتحرير السودان بمقاربة "شاملة" تربط "التحول الديموقراطي" و"تطبيق اتفاق السلام" و"حل النزاع في دارفور"، على ما قال احد قادتها الكبار ياسر عمران.
المحكمة الجنائية
• في لاهاي، اتهمت المدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا، زعيم مجموعة متمردة في دارفور بحر ادريس أبو قردة (46 سنة) بأنه المحرض على هجوم دام على قوة حفظ السلام.
وقالت ان "ابو قردة خطط وأمر بشن هجوم على جنود السلام (في 29 ايلول 2007 في شمال دارفور"، في حين كان على علم بوضعهم الذي يحميه القانون الدولي". وأضافت: "قتل خلال الهجوم 12 جندياً من قوة السلام يتحدرون من مالي والسنغال وبوتسوانا وغامبيا. وقتل معظمهم من مسافة قريبة على طريقة الاعدام… تعرضت قاعدتهم للنهب والتخريب مما ترك الضحايا من المدنيين لحملة الابادة التي تنفذها الحكومة السودانية من دون حماية".
واستناداً الى قرار الاتهام، كان "أسوأ" هجوم على قوة حفظ السلام في دارفور "قوات أبو قردة انشقت عن حركة العدل والمساواة وكانت في حاجة الى معدات".
وأبو قردة قائد جبهة المقاومة الموحدة، وهو الشخص الأول يمثل أمام المحكمة الجنائية في لاهاي بتهمة ارتكاب جرائم حرب في دارفور. وهو كان مثل طوعاً للمرة الأولى امام المحكمة في 18 أيار.




















