نصير الأسعد
يلحظُ المتابعون الجادّون للوضع الإقليمي أن ثمّة "تبايناً" بين سوريا وإيران حيال العديد من الملفات في المنطقة.
يبرز هذا "التباين" في مجال العلاقات العربية لكل من الطرفين السوري والإيراني. ففي مقابل ما سمّي "التقارب" السوري ـ السعودي القائم منذ فترة و"المتوّج" بزيارة خادم الحرمَين الشريفَين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى دمشق مطلع تشرين الأول الجاري، ثمّة حرب إيرانية تتصاعد تدريجاً ضد المملكة العربية السعودية، وضدّ "النظام العربي الرسمي" بمجمله.
عناوين "التباين" الرئيسية
ويبرز "التباين" في مجال نتائج "التقارب" السوري ـ السعودي التي تعاكسها نتائج الحرب الإيرانية على المملكة وعلى النظام العربي.
يعتقد المتابعون مثلاً أن دمشق "كانت" مستعدّة، بفعل تقاربها مع الرياض، لأن "تغضّ النظر" عن المصالحة الفلسطينية ـ الفلسطينية برعاية القاهرة ولأن "تمرّرها"، لكن طهران في المقابل، والتي تعتبر المسألة الفلسطينية ورقة من أوراقها، أجهضتها "ضدّ" مصر والمملكة والنظام العربي وإستراتيجيّته.
ويرى المتابعون أيضاً أن سوريا، على خطّ علاقتها بالسعودية وعلى خطّ وعودها للمملكة بالتسهيل في لبنان، أعطت، خصوصاً في الأيام الماضية، إشارات إلى نوع من "الإيجابية" في التعاطي مع المسألة الحكومية، بما أنها ـ أي سوريا ـ تضمن "حضوراً سياسياً" داخل الحكومة عبر حلفائها. وفي هذا السياق دعا الرئيس السوري بشار الأسد "بنفسه" أول من أمس إلى "الإسراع في تشكيل الحكومة كي يستعيد لبنان وضعه الطبيعي". وتولّى "بعض الجناح السوري" في فريق 8 آذار التشديد على وجود "إيجابيات" والتسويق لإنفراج حكومي قريب. هذا، فيما بقي "الجناح الإيراني" بين السلبية و"الصمت"، متهماً جهات عربية تارة وأميركا تارةً ثانية وقوى داخلية تارةً ثالثة بالتعطيل.
من غير إستعراض لملفّات أخرى في المنطقة، تُبرز العناوين الثلاثة الآنفة ذلك "التباين" السوري ـ الإيراني.
"تواطؤ" في إطار التحالف؟
بإزاء هذا "التباين" ثمّة مقاربات متعدّدة، أبرزها ثلاث.
مقاربةٌ أولى، يعتبر من يتبنّاها أن "التباين" ليس سوى "تواطؤ" بين دمشق وطهران، بمعنى أن هناك تفاهماً بينهما على "توزيع الأدوار" حيناً وعلى أن يرجّح كل جانب منهما "حساباته" و"إعتباراته" في لحظة معيّنة بـ"التفاهم" حيناً آخر. وتنطلق هذه المقاربة من أن التحالف السوري ـ الإيراني وعمره ثلاثة عقود، متينٌ وراسخ وغير قابل لـ"الفكّ"، خصوصاً أن إيران "تغرق" سوريا ونظامها بالعديد من عوامل "التحكّم" به. وبـ"المناسبة" فإن لهذه المقاربة "مدى" عربياً واسعاً.
القرار السوري بالبقاء تحت سقف "التباين"
أما المقاربة الثانية فيرى من يتبنّاها أن "التباين" حقيقي، لكنه محكوم بقرارَين سوري وإيراني "أهمّهما" الآن القرار السوري. القرار السوري يقضي بعدم الإنتقال من "التباين" إلى "الخلاف الصريح" مع إيران. والقرار الإيراني يقضي بـ"عدم التفريط" بـ"الاستثمار" المديد الذي جرى في النظام السوري. ويؤشّر القراران معاً إلى رغبة الجانبَين في "إدارة التباين" تحت سقف الاستمرار في العلاقة والتحالف. لكنهما ـ أي القراران ـ يعكسان طبيعة "توازن القوى" في العلاقة السورية ـ الإيرانية بما هو توازنٌ "طابش" لمصلحة إيران.
قرار مرحليّ إنتقاليّ
المقاربة الثالثة، يعتقد من يتبنّاها أن "التباين" حقيقي. لكن القرارين السوري والإيراني "مرحليّان" أو "إنتقاليان" من زاوية هذه المقاربة.
ذلك أن قرار النظام السوري عدم الانتقال من دائرة "التباين" إلى مجال "الخلاف الصريح" يتعلّق بحسابات شتّى. فالنظام في سوريا الذي يرى أن اللحظة الإقليمية الراهنة "إنتقالية" في انتظار أن يتّضح "تماماً" مآل العلاقة الإيرانية ـ الدولية تسويةً أو مواجهةً، ليسَ مستعداً للذهاب أبعد من إعطاء إشاراتٍ يُعتقدُ أنها كافية لـ"تحميه"، في التوقيت الحاليّ. وهو ليسَ مستعداً لأن "يجازف" قبلَ إتضاح "الصورة" لاسيما أنه لايزال يعتبر أن علاقته بإيران أحد عوامل "قوّته".
مآل العلاقة الدولية ـ الإيرانية يحدّد
بيدّ أن أصحاب هذه المقاربة ـ الثالثة ـ يؤكدون في المقابل أن تصعيد النظام السوري لـ"التباين" مع إيران بإتجاه "الخلاف الصريح"، مرتبطٌ بأي تصعيد تشهده العلاقة الدولية ـ الإيرانية، على قاعدة انّ النظام السوري لن يكون قادراً في هذه الحالة على الإكتفاء بـ"التباين" الذي يحتفظ به الآن. ويعربُ أصحابُ هذه المقاربة عن إعتقادهم أن العلاقة السورية ـ الإيرانية، حتى في حالة الانتقال إلى "الخلاف الصريح"، لن تتجه نحو "التصادم". ذلك أنه بقدر ما يبدو النظام السوري حريصاً على ألا "يتواجه" مع إيران، فإن إيران ستتعامل مع "المعطى السوري" حسبما يكون في لحظة محددة وحسبما يكون وضعُها وتكون مصالحها هي في تلك اللحظة المحددة.
ويلفتون في هذا المجال الى ان لدى إيران "خط دفاع" هو استعدادُها لأن تأخذ سوريا على عاتقها ما يتعلق بـ"الوضع اللبناني الداخلي"، فيما تأخذ إيران من ناحيتها "لبنان الإقليمي". وعلى اي حال، فإن "تقسيم العمل" هذا قام في فترات ويمكن تجديدُه وتحديثه.
لبنان و"الإنتظار"
خلاصةُ القول من كل المقدّمات، إن الوضع اللبناني على تقاطع "تباين" سوري ـ إيراني. ومن ضمن المعطيات القائمة حالياً، يبدو أن على لبنان دفع ثمن "الإنتظار" في الإطار الاقليمي. "الإنتظار" خاصة أن الديناميات الداخلية "مقفلة" في العمق ولو كانت تبدو نشطة في الظاهر.
.. إلا إذا سارعت إيران ومنذ الآن الى إعمال "تقسيم العمل" المشار اليه آنفاً. أي إذا فصلت "لبنان الداخلي" عن "لبنان الاقليمي" وفوّضت أمر الأول الى دمشق.. وهذا ليس مستحيلاً "بالمطلق".




















