لا تزال استدارة تركيا الشرق أوسطية، تثير المزيد من الجدل داخل الأوساط السياسية والفكرية في المنطقة العربية خصوصاً، وما يزيد من حدة تلك الإثارة، التطور الملحوظ الذي تشهده علاقاتها مع سورية، والتي شهدت في الآونة الأخيرة تطوراً على المستوى العسكري بين البلدين، وهو المجال الذي ظل لمدة طويلة، يبدو وكأنه محرم على العلاقات العربية ـ التركية، الاقتراب منه، بالنظر للارتباط الوثيق بين الجيشين التركي والإسرائيلي.
صحيح أن العلاقات العسكرية، التركية ـ السورية، والتعاون بينهما في هذا المجال، لم يتعد بعض الأمور التقنية البسيطة؛ من نوع التدرب على مكافحة التهريب ومطاردة الإرهابيين وسواها من القضايا ذات البعد المحلي، الذي لا يتجاوز الأوضاع داخل الجغرافية الطبيعية لكل من البلدين، وبالتالي، لم يصل إلى حد التعاون الاستراتيجي، كذلك الذي يربط بين الجيشين التركي والإسرائيلي، ما يعني أن مفاعيل التعاون التركي ـ السوري، لن تصل إلى حد التحالف الاستراتيجي الشامل الذي من شأنه التأثير في التوازن الحاصل في المنطقة.
نقول برغم ذلك، إلا أن هذا التعاون، على بساطته، يفتح الباب أمام احتمالات إستراتيجية مهمة، يأتي على رأسها، تحييد الجيوبولتيك التركي في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وتخفيف حدة التوتر الاستراتيجي، والاختلال الكبير في موازين القوى الذي شهدته المنطقة منذ سنوات.
ولكن، قد يبدو هذا التحليل نظرياً أكثر منه عملياً، إذ أنه من الناحية العملياتية، لم يشـــكل العالم العربي، في كل المراحل السابقة، أي تهديد استراتيجي بالنســــبة لــــتركيا، وانطلاقاً من هذه الحقيقة لم يستهدف التحالف التركي – الإسرائيلي الأمن العربي، على الأقل في المدرك التركي، وإن كانت الحكومات الإسرائيلية قد استفادت من هذا التحالف من بعض المزايا التي اتاحها، مثل التدريب الذي تجريه طائراتها في الأجواء التركية، أو المناورات البحرية المشتركة في سواحل المتوسط بين الجيــــشين، إلا أنه في الجانب التركي، أريد لهذا التحالف أن يحقق غايات معيـــنة تفيد تركيا سواءً في تقوية موقفها أمام الجار الروسي الذي تشــــكل قوته ضغطاً استراتيجياً كبيراً على تركيا، أو أمام الجيران الآخرين الذي لهم عداوات شرسة مع تركيا، اليونان وأرمينيا، وكذلـــك في محاولة لتدعيم التعاون الاستراتيجي العســـكري مع الولايات المتحدة الأميركية التي تشكل مصدر التسلح للجيشين التركي والإسرائيلي.
ما يدلل على حقيقة عدم نية تركيا استهداف الأمن العربي، المثال الشهير، في رفض أنقرة بأن يتم احتلال العراق من أراضيها، وبالرغم مما شكله هذا الحدث من تأثير على العلاقات مع واشنطن، دفع ببعض الساسة الأتراك إلى حد وصفه بالمغامرة الإستراتيجية القاتلة.
ولكن، هل تضمن تلك التوصيفات، الحصول على إجابة مقنعة عن التحول الحاصل في التوجهات التركية الجديدة؟. أزعم أن هذا التحول لا يمكن فهمه إلا برده إلى سياقاته الطبيعية، والمسارات التاريخية التي اتبعها، إذ أن من شأن العودة إلى المخاضات السياسية التي عاشتها تركيا لعقود طويلة، إظهار أن هذا التحول هو عبارة عن صيرورة تاريخية طويلة وهادئة، بدأت في محاولات تركيا إعادة صوغ هويتها بما يتناسب مع واقعها، وبالتالي فإن إعادة موضعة الدور التركي، أي تشريق تركيا، هي العملية التي فرزت كل المتغيرات والتوجهات السياسية والاجتماعية التي شهدها الواقع التركي، وليس المتغيرات مثل وصول الإسلاميين للسلطة، على ما يحاول التفسير الإعلامي تعميمه، هو الذي أدى إلى حصول تلك العملية المشار إليها.
وفي ظل تلك العملية، أو انطلاقاً من مجرياتها، ونزولاً عند استحقاقاتها، يأتي التطور الحاصل في العلاقات التركية ـ العربية، نظراً لوجود مشتركات عدة بين الجانبين، فضلاً عن وجود مصالح حقيقية، أمنية واقتصادية من شأن بلورتها تعميم الفائدة على الطرفين، وكل ذلك في إطار معادلة إستراتيجية محددة، تقوم على ثلاثة أعمدة واضحة:
ـ عدم التدخل في الشؤون العربية.
ـ عدم التورط في الصراعات الحاصلة بين الأطراف العربية والأطراف الإقليمية الأخرى.
ـ عدم توقع قيام تركيا بأدوار يفترض أن يقوم بها العرب أنفسهم والقبول بهذه الحقيقة.
على هذا الأساس يمكن فهم التفاصيل والإجراءات العديدة التي تشهدها العلاقات التركية ـ السورية، أو العلاقات بين تركيا وأي دولة عربية في المستقبل، مجاورة أم بعيدة، هي علاقات تنطلق أساساً من الإطار الاستراتيجي الذي حددته تركيا، وتصب في خدمة المصالح والأهداف المتوخاة من هذه العلاقات.
* كاتب سوري.
"الحياة"




















