الأربعاء 30 أيلول. اجتماع للقانونيين في قاعات كلية برناردين في باريس التي مضى مئات السنين على تأسيسها. افتتح جان-فرانسوا كوبيه، 45 عاماً، رئيس كتلة "الاتحاد من أجل حركة شعبية" في الجمعية الوطنية، الندوة التي ينظّمها لحساب مكتب المحاماة "جيد-لويريت-نويل" حول موضوع "عام على الأزمة المالية: هل يستطيع القانون أن يعيد إرساء الثقة؟" وقد حقّقت نجاحاً كبيراً.
قبل ثلاثة أشهر، كان مكتب المحاماة نفسه منكبّاً على العمل. فيوم الخميس 18 حزيران، تم إقرار القانون المتعلّق بدمج المصارف الشعبية وصناديق الادّخار. أقرّت الأكثرية الممثّلة بـ"الاتحاد من أجل حركة شعبية" في الجمعية الوطنية، بتوجيه من السيد كوبيه ومن دون تردّد، مشروع القانون الضروري للدمج. لا تستطيع صناديق الادخار سوى أن تهنّئ نفسها بالعمل الذي قامت به فرق مكتب "جيد-لويريت-نويل" التي تولّت التوكّل عنها: نحو 700 قانوني، و24 مكتباً منتشراً في مختلف أنحاء العالم، و"مستشار رفيع المستوى" اسمه هو ورقة رابحة أكيدة، جان-فرانسوا كوبيه.
لا شيء غير قانوني في هذا الوجود على مختلف الجبهات. تُعقَد ندوات في مكاتب كاتمة للصوت حيث يتحدّثون عن الأعمال. مجرّد أريج قوي من المصالح المشتركة التي يجري التفاوض عليها بين الأصدقاء. تأثير، دفتر عناوين، إنهما يساويان ذهباً في السوق التنافسية جداً لمحامي الأعمال. وأن يكون في عداد موظفي المكتب زعيم الأكثرية في قصر بوربون [مقر الجمعية الوطنية] يعني ضمان دعم أكيد من البرلمان، وفي شكل خاص الحصول على الاستحسان من الزبائن المرموقين.
يؤكّد جان-فرانسوا كوبيه "هذا صحيح، انضممت إلى مكتب المحاماة الأهم في البلاد. لكنه لم يكن بحاجة إلى دفتر عناويني، فأكبر أربعين شركة فرنسية تتعامل معه!" انتُقِد على دوره في دمج المصارف الشعبية مع صناديق الادخار. أما هو فيجيب "هذا وهم. أنا لا أحدّد الروزنامة البرلمانية، ولم يكن أحد بحاجة إلي لإقرار هذا القانون قبل 30 حزيران. حسناً، يهاجمونني، أنا من النوع الذي يتحمّل الهجمات…".
يتحمّل النائب عن سين-إي-مارن بجسارة مسؤولية انتقاله إلى القطاع الخاص. أقسم اليمين أمام محكمة الاستئناف في باريس في أيار 2007. ومنذ ذلك الوقت، يملك مكتباً لدى "جيد-لويريت-نويل"، ويقوا إنه يُدفَع له مقابل كل خدمة يقدّمها، ويهتم بالوساطة، وهو مسرور جداً لمشاركته في التفكير الاستراتيجي للمكتب. يضيف "لست مغفلاً. لقد وضعت حدوداً تتعلّق بأخلاقيات المهنة: أرفض الملفات التي تُضطرّني إلى الوقوف ضد الدولة، ولا أهتم بالمشكلات الضريبية". لو فعل، لبدا الأمر سيئاً كونه وزيراً سابقاً مفوّضاً شؤون الموازنة.
ليس جان-فرانسوا كوبيه السياسي الوحيد الذي أصبح محامياً. لقد قام النواب فرانسوا باروان وكلود غواسغين (الاتحاد من أجل حركة شعبية) ونويل مامير (الخضر) وكريستوف كاريش (الحزب الاشتراكي) بالقفزة الكبيرة، شأنهم في ذلك شأن رئيس الوزراء السابق دومينيك دو فيلبان، منذ عام 2007.
يكفي أن يكون للنائب الذي يرغب في ارتداء ثوب المحاماة، سجل عدلي نظيف، وأن يقدّم ملفاً صغيراً إلى مجلس النقابة، فيجري تعيين مقرِّر. بموجب المادة 98 من المرسوم الصادر في 27 تشرين الثاني 1991، يمكن أن يتقدّم للعمل في المحاماة "الموظفون الحكوميون الحاليون والسابقون من الفئة ألف أو الأشخاص الذين هم بمنزلة الموظفين الحكوميين من الفئة ألف الذين مارسوا بصفتهم هذه نشاطات قانونية طوال ثمانية أعوام على الأقل، في إدارة أو دائرة عامة أو منظمة دولية". حتى إن سعيد الحظ الذي يجري اختياره للعمل في المحاماة يُعفى من التدريب النظري والعملي – ثمانية عشر شهراً – ومن المباراة لنيل شهادة الأهلية لممارسة مهنة المحاماة. لم يُسجَّل أي رفض. عندما تعطي النيابة العامة في باريس موافقتها، لا يبقى أمام المحامي الجديد سوى أن يقسم اليمين وسط مجموعة من الشبان الحائزين على شهادة المحاماة، ويسلّم نفسه للعبة الصور التذكارية…
يقول هرفي روبير، المسؤول عن قسم الممارسة المهنية في نقابة المحامين في باريس "إنه أمر جيد للمهنة أن يكون هناك نواب في صفوفها. يعطي ذلك صورة جيدة عن المهنة. القاعدة الوحيدة التي تقيّدهم هي أنهم لا يستطيعون التحرّك ضد الدولة". ومع ذلك رأينا نويل مامير يدافع عن حصّادي النبتات المعدّلة جينياً الذين رفضوا أن تؤخَذ عيّنات من حمضهم النووي (دي إن أيه)، وكانت الدولة معنيّة حكماً في القضية، لكن تبقى هذه الحالات نادرة. أقسم النائب عن جيروند المدافع عن البيئة، اليمين في أيار 2008. يقول "لم أفاوض لقاء بدل عالٍ على دفتر عناويني، كما فعل كوبيه أو دو فيلبان. إنهم يتعاملون مع أكبر 40 شركة فرنسية، هناك تضارب واضح في المصالح. ترمز حالتهم في رأيي إلى إضعاف للديموقراطية".
يعتبر نويل مامير أن هذه المهنة الجديدة ليست سوى "استمرارية لنضال طبيعي". عمل لدى محامٍ معروف بدفاعه عن حقوق المثليين الجنسيين، كما دافع عن أوليفييه بوزانسونو [وهو معارض بارز للرئيس ساركوزي]. يشرح "أتلقّى طلبات كثيرة من أشخاص جالوا على كل المحامين في فرنسا. أختار القضايا بحسب الانطباع الذي يخلّفه لدي الزبون، أريد أن تكون لمرافعاتي رمزية سياسية. وفي الوقت الحالي، يكلّفني هذا أكثر مما أجنيه منه!" يبدو أنه موهوب في المرافعة، فهو يقول "أرتجل، أمارس الدفاع القائم على تحريك الرأي العام، على طريقة فرغيس…".
تسعى مكاتب المحاماة لاستقطاب هؤلاء الزملاء الذين ينتمون إلى صنف آخر. سرعان ما أدرك دنيس هوبير الفائدة من ضم النائب الاشتراكي عن باريس، كريستوف كاريش، إلى صفوف موظفيه. يقول "كان كريستوف كاريش طوال عشرة أعوام جزءاً من لجنة القوانين في الجمعية الوطنية، إنه قيمة مضافة حقيقية. لكن دفتر العناوين هو الذي يهمّنا، تحظّر مهنتنا الترويج لدى الزبائن. ولذلك لباقة النائب أساسية".
يعرف النوّاب ذلك جيداً، ويفرضون سعراً مرتفعاً على علاقاتهم. المصلحة المالية واضحة، حتى ولو كانوا يتكتّمون على التعرفات التي يتقاضونها. يختصر هرفي روبير من نقابة المحامين في باريس المسألة قائلاً "بصفتهم محامين، يحق لهم أن يتقاضوا أتعاباً رسمية جداً عن استشارات كانوا ليقدّموها مجاناً كنواب". لا حاجة بعد الآن إلى أموال تُمرَّر من تحت الطاولة، لأن كل شيء معلن ومسجَّل وقانوني.
ها هم إذاً يتنقّلون بين مكاتبهم الانتخابية ودور البلدية ومكاتبهم في قصر بوربون ومكاتب المحاماة. هذا ليس سهلاً. كان فرانسوا باروان، وزير الداخلية السابق، من الأوائل الذين قاموا بالخطوة عام 2001 عبر العمل لدى المحامي فرانسيس سزبينر القريب جداً من المعسكر الشيراكي. يؤكّد السيد باروان "لا أتسلّم سوى قضايا جنائية، تمدّ رأسي بالأوكسجين. السياسة مهنة نكون فيها تحت رحمة كل شيء، ونكون فيها رهينة شخص ومزاجه. بعدما طردني نيكولا ساركوزي من الحكومة، أصبح بإمكاني اختيار قضيتين أو ثلاث قضايا في السنة. إنها مهنة أمارسها عن اقتناع، لا من أجل المال".
يجيد هؤلاء المحامون الجدد التكلّم أمام الجمهور، ويثيرون إعجاب القضاة غير المعتادين كثيراً على هذا النوع من الرفقة. لكنهم يحتاجون أيضاً إلى فرض قبولهم من الآخرين، مع احتمال أن يذوبوا في القالب مع شيء من الاتضاع، على غرار فريدريك سالات-بارو، أمين عام الإليزيه السابق في ظل جاك شيراك. يروي مستشار الدولة هذا "بحثت عن عمل طوال شهرين، ولم أجد شيئاً. كنت أحب هذه المهنة الحرة، وأرغب فعلاً في مزاولتها، على غرار الآخرين. إنه عمل حرفي لا يمكن تفويضه".
يعرف تماماً أن دفتر عناوينه كان ورقة رابحة لدى وصوله إلى مكتب المحاماة "ويل-غوتسال". يقول "كنت ما كنت عليه، لا حيادية في المسألة، لكن دفتر العناوين ليس كل شيء. نعرف أشخاصاً، لكن في معظم الأحيان الأشخاص الذين لا نعرفهم هم الذين يوفّرون لنا فرصتنا". يهتم بقانون التنظيم، في مجال الطاقة أو الاتصالات السلكية واللاسلكية في غالب الأحيان. يمكن أن يكون اسم سالات-بارو مفيداً. يقول "أعرف الإدارات، وأعرف كيف تعمل، لكن يجب تفادي المحسوبيات من أجل الاستمرار في هذه المهنة".
أقسم كريستوف كاريش اليمين في أيلول. لا يحظّر شيئاً على نفسه مسبقاً ما عدا المرافعة ضد الدولة. يشرح النائب عن باريس "لا أشعر بوخز الضمير مطلقاً، أحقّق أرباحاً من دفتر عناويني. سوف أتولّى الملفات المتعلقة ببلدية باريس مع العلم بأنني سأترشّح من جديد سنة 2012. ألا يحق للناس أن يُدافَع عنهم؟ في مختلف الأحوال، إذا تمكّنت من تسلّم قضية ضد فندق "أوتيل دو فيل"، فسوف يضحكني ذلك…". المستقبل يقلقه، فهو يحمل معه احتمال السقوط في الانتخابات، ناهيك عن إمكان الشعور بالسأم من مهنة السياسة. لقد حفظ جيداً القول الشائع في هذه المهنة "الموكّل هو الذي يصنع المحامي لا العكس". لكنه ليس قلقاً، فهو يقول "سوف أستغرق الوقت اللازم لأتدرّب".
عدد لا بأس به من النواب هم أيضاً محامون سابقون. يراقبون بشيء من التسلية، وأحياناً بقلق، تصرفات زملائهم. يعلّق أرنو مونتبور، النائب عن سون-إي-لوار (الحزب الاشتراكي) الذي خاض معركة ضد جاك شيراك عندما كان محامياً شاباً "المحاماة مهنة. أغلقت مكتبي عندما دخلت مضمار السياسة، لأنني اعتبرت أن هناك تضارباً في المصالح. النواب الذي يرتدون ثوب المحاماة ليسوا محامين بل يؤمّنون أعمالاً لمكاتبهم. يجب احترام أخلاقيات المهنة. لكن هذا لا يمنع من أنه لدى مهنة المحاماة مصلحة كبيرة في الانفتاح".
يتوصّل كلود غواسغن، وهو نائب عن باريس (الاتحاد من أجل حركة شعبية) ومحامٍ منذ عام 2001 وأستاذ في مادة القانون، إلى استنتاج آخر "مهنة المحاماة تتغيّر، أصبحت أقل قانونية من قبل، وأكثر تحوّلاً نحو البيزنس، لم نعد نرافع كثيراً". هل هناك خطر تضارب في المصالح؟ يجيب "تعلمون، لا يتبادل المحامون الهدايا في ما بينهم. إذا حصلت انتهاكات، فسوف ينتشر الخبر سريعاً
(عن "الموند"ترجمة نسرين ناضر )
annahar.com




















