المستقبل – صنعاء ـ صادق عبدو
لا يسيطر على المواطنين اليمنيين وقادة الجيش وزعماء السياسة في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها البلاد سوى هاجس تمدد الحرب في صعدة وإطالة أمدها لتأخذ سنوات، على الرغم من التصريحات اليومية التي يدلي بها المسؤولون، سواء في الجيش أو السلطة السياسية، عن تقدم كبير تحرزه قوات الجيش في مناطق القتال في محافظتي صعدة وعمران مع الحوثيين منذ اندلاع الحرب السادسة بين الجانبين في الحادي عشر من شهر آب (أغسطس) الماضي .
ويدرك اليمنيون أن البلاد مقبلة على تحديات صعبة، وهي تحديات مزدوجة، تبدأ مع الحوثيين في الشمال، مروراً بالأوضاع المقلقة في الجنوب، وليس انتهاء بخطر تنظيم "القاعدة"، الذي لم يجد مناخاً أفضل من المناخ الحالي للتغلغل في البلاد وترسيخ أقدامه، ولن يفيق اليمنيون من معالجة ملفي صعدة والجنوب إلا وقد تحول التنظيم إلى معضلة حقيقية يصعب معها الحل .
السؤال الذي يتردد اليوم في أوساط المواطنين اليمنيين إلى أين تتجه البلاد، وما هو حجم المخاطر التي تهددها، وما هو أفق الحل، وهل ستدوم الحرب لسنوات كما قال الرئيس علي عبدالله صالح في خطاب له بمناسبة ذكرى ثورة السادس والعشرين من ايلول (سبتمبر) الماضي أم لأيام، كما صرح بذلك في آخر مقابلة له أجرتها معه إحدى الفضائيات العربية؟، ثم إذا ما انتهت الحرب في صعدة، كيف سيكون شكل الحل في الجنوب الذي يغلي منذ أشهر رافعاً وتيرة الاحتجاجات لتصل إلى ذروتها بالمطالبة بـ"فك الإرتباط" بين الجنوب والشمال، بل والمطالبة بـ"استفتاء لتقرير المصير"، بحسب آخر تصريحات نائب الرئيس السابق علي سالم البيض المقيم في النمسا منذ أشهر .
معطيات مختلفة
لا شك أن المعطيات على الأرض بالنسبة للحرب في صعدة، وحتى بالنسبة للأوضاع في المناطق الجنوبية من البلاد، تؤشر إلى تعقيدات جمة تواجه الجيش لجهة حسم المعارك مع الحوثيين في صعدة، فالدولة تواجه جبهتين خطيرتين تحتاجان إلى إعادة صياغة الحل من خلال البحث عن وسائل تعمل على تنفيس حالة الاحتقان القائم في البلاد، حل يجمع عليه اليمنيون في الساحة كلها، شمالاً وجنوباً، لمواجهة خطر تمدد "القاعدة" في البلاد الذي سيكون بعدها من الصعب على أي سلطة قادمة التخلص منه، وهو ما يحذر منه الكثير من المراقبين المحليين والخارجيين .
وتبدو ساحة الحرب في صعدة وإصرار طرفي الصراع على السير فيها إلى ما لا نهاية، إحدى الجبهات المهمة التي يمكن بحلها الخروج من الأزمة التي وجد النظام نفسه يغرق فيها شيئاً فشيئاً .
ويرى عدد من المراقبين أن بداية الحل لا بد أن تأتي من صعدة، فإذا هدأت هذه الجبهة، فإن البحث عن حلول لبقية الأزمات تبدو ممكنة، شرط أن يبدأ حل سريع لبقية الملفات، خصوصاًُ ملف الجنوب، الذي لا يقل تعقيداً عن ملف صعدة، بحيث يكون الحل برؤية توافقية بين أطراف العمل السياسي، أي أن يشرك النظام كل فرقاء الحياة السياسية في صياغة الحل المقبل، مراعياً في ذلك خصوصية الوضع في الجنوب.
ويرى مراقبون أن الأوضاع الحالية التي يعيشها اليمن وصلت إلى موقف حرج جداً، حتى بات معها بدء التدخل العربي في أزمات البلاد المتصاعدة ضرورة لا بد منها لليمن ومحيطيه الإقليمي والدولي بأبعادها المختلفة .
الاستشعار العربي بخطورة الوضع بدا وكأنه أفاق من سبات عميق، ظل يركن خلال الفترة الماضية إلى شعور بأن باستطاعة نظام الحكم أن ينهي أزماته في اتساق مع طبيعة الأنظمة العربية الأخرى، لكي لا تكون هناك سابقة في تغيير نظام الحكم في أي بلد عربي بفعل تمرد أو حراك سلمي مهما كانت الغايات، لكن الحاجة للاستقرار في بلد مضطرب تدعو لتلقف أي مبادرة أو تحرك لتطبيع الأوضاع وعدم الانجرار للعنف وصولاً لانهيار الدولة .
من هذا المنطلق وبعيدا عن أي قراءة لهذا التحرك، ينتظر اليمنيون نتائج الزيارة التي قام بها مؤخراً إلى صنعاء، الوفد المصري المكون من وزير الخارجية أحمد أبو الغيط ورئيس جهاز الاستخبارات العامة عمر سليمان، بالإضافة إلى الزيارة التي قام بها الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، وما تبعها من تصريحات انقسمت بين من قال إنه حمل وساطة لتهدئة الأوضاع في البلاد، وبين من قال إنه نقل إلى القيادة اليمنية موقف الجامعة المؤيد للوحدة .
وكان من الطبيعي جدا أن يعلن الوفد المصري دعم حكومة بلاده للحكومة اليمنية ورفض كل أنواع التمرد والتدخلات الأجنبية في شؤون البلاد، ومن الطبيعي أن يعتقد كثيرون أن التحرك المصري يأتي ضمن النشاط السياسي الذي تشهده المنطقة ضد إيران، الدولة التي باتت تشكل أزمة للعرب جميعاً .
ولأن أي نتائج لم ترشح بعد عن تلك الزيارات، على الرغم من تواجد عدد من قادة المعارضة في القاهرة ولقائهم الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى والقيادة المصرية، إلا أنه من الصعب الخروج بأي استنتاجات في اتجاه تهدئة الأوضاع في اليمن. والسؤال: "هل ستشكل زيارة موسى بالتحديد انفراجاً في أزمة صعدة على طريق إيقاف الحرب، أم أن أي جهد عربي أو خارجي سيبوء بالفشل؟، ما يشكل ضرورة إضافية لمبررات استمرار الحرب، خصوصاً وأن أكثر من تصريح حكومي أكد رفض كل الوساطات الرامية إلى إيقاف الحرب .
وتزامنت التحركات العربية مع ازدياد منسوب القلق لدى العرب عموما ودول الخليج خصوصا والتي عبرت عنها بأكثر من شكل، وتواكبت مع التحذيرات المتكررة والمتصاعدة للولايات المتحدة ودول الغرب الكبرى من خطورة الوضع في اليمن والذي يمكن أن ينعكس سلباً على الجهود الدولية في برامجها لمكافحة الإرهاب وتنظيم "القاعدة" في بقعة ملتهبة من العالم، ينظر إليها وخصوصاً من قبل الأميركيين الذين رشحوا اليمن مبكراً لموطن آمن للإرهاب في حال انهارت الدولة فيه .
حسم عسكري وحلول دستورية
من الترجيحات المقبلة لسيناريو حل الأزمة في صعدة، أن تعلن الحكومة وقف الحرب بشروطها، لكن بعد أن يكون قد تمكن الجيش من إعادة الانتشار في صعدة وإحكام الحصار عليها وقطع خطوط الإمداد عن الحوثيين الذين، بالتأكيد، أصيبوا بالوهن وضربت مواقع عديدة لهم في أكثر من منطقة، لكن دون أن يفقدوا القدرة على توجيه ضربات موجعة للجيش النظامي بوسائل حرب العصابات .
وما يمكن أن يدعم هذا الافتراض وضع القوات المسلحة التي بلا شك، بدأت تعاني من الإنهاك وهي تخوض قتالاً شرساً في منطقة جغرافية صعبة يخبرها الحوثيون أكثر من أفراد الجيش، إضافة إلى الكلفة العالية التي تتحملها الدولة لاستمرار الحرب، وهنا لا يمكن استبعاد صدور قرارات مفاجئة من قبل السلطة إذا ما توصلت إلى قناعة بأن الخارطة على ميدان المعارك قد تغيرت، ولو جزئيا لمصلحة الدولة، على الرغم من أن الحرب يمكن أن تطول لسنوات، على حد قول الرئيس علي عبدالله صالح .
والمقصود هنا، إمكانية استمرار الحرب حتى لاحقا بعد وقفة لاسترداد الأنفاس، لكن بعد نصر ما، تعلن الحكومة أنها حققته وإن كان بلا حسم واضح، وبالفعل قد يكون كذلك إذا ما ضمنت تقييد وعرقلة حركة الحوثيين، عكس ما كان يحصل بعد الحروب الخمس السابقة .
وهناك عامل آخر، وهو تصاعد الحراك في الجنوب الذي قد يؤدي، إذا استمر بنفس الوتيرة، إلى انقلاب الأوضاع في المحافظات الجنوبية وفقدان الدولة لزمام الأمور فيها، ما يستدعي تهدئة الجبهة الشمالية للالتفات إلى الجبهة الجنوبية التي تمتلئ بصواعق قد تفجر الأوضاع فيها بعنف لا يتوقف .
ومن الشواهد التي تقلق السلطات اليمنية في ملف الجنوب هو التحرك السياسي لنائب الرئيس السابق علي سالم البيض في الخارج، خصوصاً في الأمم المتحدة، والتي يتزامن مع تصعيد لافت للأوضاع على الأرض، إذ أن التظاهرات في عدد من المناطق الجنوبية، وخصوصاً الضالع ولحج تكاد تكون شبه يومية. لكن السلطة ترى أن التحرك السياسي للبيض في الخارج لا يعنيها، وتعتقد أن أبناء الجنوب، حتى وإن تم استفتاؤهم، سيكونون مع الوحدة، لأنها عزة اليمنيين وكرامتهم .
وعلى الرغم من أن قادة سياسيين كباراً في الدولة يدركون أن الوضع في الجنوب لا يشكل خطراً على الوحدة في الوقت الراهن، إلا أنهم يعون أن التأخير في حل القضايا التي يطرحها أنصار "الحراك الجنوبي" قد يقود إلى عواقب وخيمة على البلد كلها وعلى فكرة الوحدة من أساسها .
لهذا السبب يحاول النظام في صنعاء إيجاد مخارج حقيقية وجدية للوضع كله عبر تعديلات دستورية تتيح إيجاد نظام حكم محلي واسع الصلاحيات، يستهدف الجنوب بدرجة رئيسة .
ويكشف عضو اللجنة العامة، رئيس الدائرة السياسية في "حزب المؤتمر الشعبي العام" الحاكم عبدالله غانم عن بدء مجلس النواب في القريب العاجل مناقشة مشروع التعديلات الدستورية التي ستقدمها الحكومة إليه في ضوء ما سبق وان ناقشه مجلس الشورى بهذا الخصوص.
ويشير غانم إلى أن التعديلات الدستورية تتضمن تطوير نظام السلطة المحلية إلى نظام الحكم المحلي واسع الصلاحيات، وتأتي في إطار تنفيذ البرنامج الانتخابي للرئيس علي عبدالله صالح الذي خاض به الانتخابات الرئاسية والمحلية التي شهدتها البلاد في شهر ايلول (سبتمبر) من العام 2006 .
ويرى مراقبون أن تسريع النظام في اتخاذ إجراءات حقيقية باتجاه الحل السياسي والدستوري من شأنه أن يجمد حالة الغليان التي تسود المناطق الجنوبية من البلاد، لكنهم لا يعتبرون ذلك كافياً، إذ أنه يجب على السلطة أن تنفتح على الآخرين في الساحة، خصوصاً القوى السياسية الفاعلة في الساحة .
ويشير هؤلاء إلى أن الحفاظ على الوحدة والاستقرار في اليمن مهمة لن يحققها في المقام الأول غير اليمنيين أنفسهم وبقرار وبوفاق بينهم يقوم على إشراك كل القوى الفاعلة في الشأن اليمني ومن دون تغييب أي طرف، أما العوامل الخارجية فهي عوامل مساعدة وضاغطة تقوم على مصالح إقليمية ودولية، ولا يعني ذلك التقليل من أهميتها .
ويؤكد هؤلاء إن تغليب مصلحة البلاد من قبل الجميع، سلطة ومعارضة، هي التي يمكن أن تقود إلى الحد من استمرار التداعيات التي تصيب جسد الدولة والمجتمع ووقف الانحدار نحو الهاوية.




















