الجندي الذي يرفع لافتة سياسية اثناء حفل أداء القسم العسكري عند باحة حائط المبكى، المخصص للجنود الأغرار بعد لحظة على صراخ الجنود "أنا أُقسم"، لا يمكنه أن يكون مقاتلا ولا حتى أن يكون جنديا في "جيش الدفاع الإسرائيلي" (في إشارة إلى قيام جنود من كتيبة شمشون في الجيش الإسرائيلي برفع لافتة كُتب عليها: جنود كتيبة شمشون لا يُخلون (مستوطنة) حومش، خلال مراسم أداء القسم العسكرية في باحة حائط المبكى).
هذا احتجاج تعيس وبائس لا مكان له في الجيش الإسرائيلي. فلا مكان لأي نوع من السياسة في الجيش الإسرائيلي، والموقف السياسي يجب الاحتفاظ به للأحلام أثناء النوم في "كيس النوم" أو إلى نهاية الاسبوع عندما يعود الجنود إلى البيت ويتحدثون مع رفاقهم أو أهاليهم وهم يتحلقون حول مائدة يوم الجمعة.
أثناء أداء القسم العسكري، يتلو القائد الجملة التالية: "أنا أُقسم وأتعهد بشرفي، بالولاء لدولة إسرائيل، قوانينها وسلطاتها المخولة رسميا، بأن آخذ على عاتقي، من دون شرط ومن دون تحفظ، واجب إطاعة جيش الدفاع الإسرائيلي، والانصياع لكل الأوامر والتوجيهات التي تُعطى من قبل القادة المخولين، وتكريس قواي والتضحية بحياتي دفاعا عن الوطن وعن حرية إسرائيل".
بعد أن يتلو القائد صيغة القسم، يجب على كل غر "أنا أُقسم"؛ الجنود المتدينون يجيبون "أنا أُعلن". بعد ذلك يُعطى السلاح إلى كل غر.
جنديان في لواء كفير من كتيبة شمشون، تجرأوا على كسر العرف الواضح قبل أن يُعيّنا ليكونا مقاتلين في الجيش الإسرائيلي. وهما عرفا جيدا ما مغزى العمل السياسي. وهما عرفا من يقف أمامهما وإلى جانبهما، وفي تقديري عرفا أيضا ما هو التأثير الذي يريدان إنجازه.
ينبغي الاعتراف بالظاهرة
الشيء الوحيد الذي لا يعرفان توقعه حتى اللحظة هو الخطوة التالية لقائد اللواء العقيد أورن أبمان، الذي استلم حديثا قيادة اللواء، والمنشغل إلى جانب المهام العملانية، بمهمة تشخيص المشاكل ذات البعد القيمي والأخلاقي. ولا شك أن في ذلك نوع من خيبة الأمل. فالأغرار الذين تجندوا حديثا في الجيش الإسرائيلي اختاروا الإعراب عن آرائهم السياسية بهذه الطريقة الاستفزازية جدا.
يجب على قائد اللواء استدعاء الجنود الضالعين، واجراء حديث معهم، ليسألهم عن تفسير لما قاموا به، وما إذا كانوا يدركون مغزى ودلالة العمل، وإذا تبين أن الأمر لا يتعلق بفعل طائش يعتذرون على ارتكابهم إياه، فيجب عندها إخراجهم من اللواء.
هذا عمل خطير، وهو لا يجلب الخجل فقط إلى أولئك الجنود كمقاتلين يُقسمون على الولاء والإخلاص للجيش الإسرائيلي، بل هو فعل مخز ومخجل للقادة، وللرفاق الذين يرتدون الزي العسكري وللحاضرين في الاحتفال، والأهم من كل ذلك هذا العمل مخز للقيم التي بُني عليها الجيش الإسرائيلي منذ قيام الدولة.
هذه بالفعل قضية موجعة يبت بحثها من خارج الجيش ومن داخله. ماذا سيحصل في اليوم الذي يُطلب فيه من الجنود إخلاء بؤر استيطانية أو مستوطنات بناء لقرار صادر عن الحكومة. في نظري، يجب رسم خط واضح بين أداء وتطبيق الأوامر وبين الرفض. كل تسوية في هذا الموضوع ستجلب ظواهر سيئة. ومع ذلك، ينبغي معرفة الخلفية التي يأتي منها البعض في المجتمع.
ففي الوقت الذي يتم تجنيد قطاعات معنية من السكان، فيما المخزون الديمغرافي آخذ في التغيير، ينبغي الاعتراف بالتغيير الإيديولوجي السائر نحو التطرف في الأوساط المدنية. لكن على الجيش الإسرائيلي أن يوضح بأن عليه تنفيذ كل مهمة تلقى على عاتقه من دون تحفظ. ومن اللحظة التي يُتخذ فيها قرار سياسي بمصادقة الحكومة، يجب على الجنود الانصياع وتنفيذ الأوامر.
تأكل غير ديموقراطي في قرارات الحكومة
يجب القيام بذلك بحكمة وفطنة، وبصورة مدروسة لا تُسقط مجموعات معنية في أوساط المقاتلين في الجيش الإسرائيلي والقادة، والامتناع قدر الامكان عن الاستفزاز، لكن في نهاية المطاف، يجب على الجيش الإسرائيلي أن يسأل نفسه في كل وقت كيف سينفذ المهمة بأفضل صورة ممكنة.
المشكلة لن تجد حلا لها إذا لم تُطرح هذه القضية على أعلى المستويات داخل الحكومة والجيش الإسرائيلي. فالشخص المعني بحل المشكلة، عليه أن يسأل الأسئلة الأصعب، أن ينظر في المرآة وأن يقول الحقيقة لنفسه، وما لم يفعل ذلك ستصبح الظواهر الهامشية متطرفة جدا بحيث يكون من الصعب جدا إعادة العجلة إلى الوراء.
لا شك في أن الشرخ بين اليمين واليسار آخذ في الاتساع. وهكذا هي أيضا حال الاستقطاب داخل مجموعات اليمين التي لا تتمتع بالضرورة بزعيم واحد واضح، أو بحاخام موجه في كل الأحيان. أنا أجد صعوبة في أن اُصدق بأن حاخاما يقف وراء هذا العمل البائس للجنديين.
ومع ذلك، نحن طبعا امام تآكل غير ديمقراطي في قرارات الحكومة. هذا الأمر يتجلى في الغزو المزمن إلى أراض مستوطنة حومش من أجل التنزه، الاحتجاج، واحيانا للقيام لحفلات أفراح مثل الزواج على الرغم من أن هذه المنطقة أُخليت قبل خمس سنوات بشكل قانوني.
محظور على قادة الجيش الإسرائيلي أن يمنحوا تسهيلات لأي مهمة ولأي قطاع. ثمة باب واحد للدخول إلى معهد التدريب العسكري، وكل من يدخله يؤدي قسم الولاء للجيش الإسرائيلي من دون شرط. وكل من يتجاوز هذا القسم لا مكان له في الجيش الإسرائيلي مهما كانت توجهاته وميوله وانتماءاته.
("معاريف" 26/10/2009)
ترجمة: عباس اسماعيل




















