من الصفحات الأولى للكتاب الذي أخذ من القيادة موضوعاً له ومن الحاج أمين الحسيني الفلسطيني نموذجاً، تبادر الى ذهني مؤلف بليخانوف "دور الفرد في التاريخ" وقدرته على صوغ الحوادث. وبما أن العمل أكاديمي، فهو يلتزم مخططاً منهجياً متدرجاً، يبدأ من بعض التعريفات ومنها القيادة السياسية، حيث تلتقي عدة تحديدات عند تركز عملية القرار في فئة معينة على صلة بالمجتمع الذي تتعامل معه. لذا، ترى الباحثة أن القيادة السياسية عبارة عن ظاهرة تتألف من عناصر عدة وعوامل متداخلة، منها الظروف التاريخية وطبيعة المجتمع والشعب وشخصية القائد. ما يحيل الى سؤال يتعلق بتصور القائد حيث تجمع الآراء على اختياره من المجموعة ليحقق أهدافها. وقد تراوحت النظريات الإجتماعية التي تناولت هذا التصور بين "نظرية الرجل العظيم" و"الكاريزما" و"نظرية الحالة"(أي عامل الظروف). وثمة من يربط القيادة بالنخبة أي بتلك الفئة من الناس التي تملك سلطة ما.
وفي شكل عام، ترى الباحثة الى دور علماء الدين "الثوري" والنهضوي منذ أواخر العهد العثماني ودليلها الى ذلك جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد رشيد رضا. والحال، كيف بدا المجتمع الفلسطيني في تلك الحقبة التي نقلته من سلطة بني عثمان الى هيمنة الإنتداب البريطاني؟ إنقسم هذا المجتمع القروي الى فئات ثلاث: الأعيان والفلاحون والبدو. فالأعيان أو الوجهاء هم الذين امتلكوا مساحات كبيرة من الأراضي وأفرزوا نخباً دينية مثل العلماء والمفتين الذين استمدوا نفوذهم من انتسابهم الى عائلات دينية، وقادة عسكريين وأمراء وأغوات.
مع إنتهاء القرن التاسع عشر إنتقل مركز ثقل القوى السياسية المحلية من الجبال والأرياف الى المدن الكبرى ولا سيما مدينة القدس، حيث أدّى آل الحسيني بوصفهم "أعياناً" دوراً معتبراً فيها. ومن هذا الوسط "القيادي" تحدر الحاج أمين الحسيني المولود في مدينة القدس عام 1898، وقد تشكل وعيه السياسي مبكراً من واقع معاينته للأنشطة الإستعمارية الصهيونية، فخدم في الجيش العثماني بمحض إختياره (عام 1916)، وترجح الباحثة المنطلق الديني لهذا الفعل الذي أبرز وصقل السمة "القيادية" عنده، أو "كاريزما" شخصيته.
عام 1917 دخل الجنرال البريطاني اللنبي القدس معلناً بداية الحكم العسكري البريطاني على فلسطين. ومعه تبدأ مرحلة جديدة في حياة المنطقة وفي حياة أمين الحسيني الذي عمل على تشجيع التطوع في الجيش العربي لمحاربة العثمانيين، ولكنه ما لبث أن اعتزل هذه المهمة إحتجاجاً على سياسة بريطانيا ليعمل مدرساً في كلية روضة المعارف في القدس. وقد اعتقل عام 1919 لتزعمه مظاهرة يوم وصول لجنة كنغ كراين الأميركية، تطالب بالإستقلال وإلغاء وعد بلفور. وتعزو الباحثة بروز الحسيني الى عاملين: وعيه بخطورة الأطماع الصهيونية في بلده وحضوره اللافت في الأوساط الفلسطينية. وكونه من القيادات الشابة المتحمسة لم يكن منسجماً مع القيادات التقليدية، فسعى لإنشاء الجمعيات والنوادي لمواجهة الإنجليز والصهاينة معاً. وثمة ملاحظة قيّمة تضعها الباحثة بين يدينا، وهي أن الحاج أمين في فترة العشرينات لم يكن مأخوذاً بفكرة القيادة السياسية كونها متحققة في الملك فيصل وفي ترأس موسى كاظم الحسيني الحركة الوطنية آنذاك. فاهتم بتعزيز مركزه الديني في فلسطين من خلال منصبي المفتي ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى، فكان له ذلك عام 1921 بعد وفاة مفتي القدس كامل الحسيني، وثمة تساؤلات تطرحها حمودي حول قبوله هذا المنصب في ظل الإنتداب وضرورة تعاونه مع سلطته التي تدفع راتبه. بيد أنه ترى من خلال تتبع الحوادث أنه استفاد من موقعه الديني لتعزيز مكانته في الحركة الوطنية الفلسطينية بخلاف إرادة البريطانيين، واستفاد من ترأسه المجلس الإسلامي لتحقيق انجازات منها ترميم وإعادة بناء الحرم القدسي الشريف وقبة الصخرة. وتمكن من لفت الأنظار والتنبيه الى مخططات الصهاينة، فدعا الى عدم بيع الأراضي لليهود مستخدماً الفتاوى الشرعية وقاد حملة للدفاع عن حائط البراق في وجه محاولة الإستيلاء عليه من اليهود، اذ شكل حرساً من الشبان الوطنيين لهذه الغاية، ما أدى الى قيام ثورة البراق عام 1929 وتنشيط العمل الوطني، والدعوة الى مقاطعة الشركات والمنتجات اليهودية.
في أواخر العام 1935 بدا أن ثمة حراكاً داخل المجتمع يطالب بنهج جديد بعيد من المهادنة، عبر عن نفسه في حركة القسام أو ثورة 1936. ويبدو أنه لم يكن موافقاً على إعلان الثورة بحجة أن"الوقت لم يحن لمثل هذا العمل" من دون أن ينال ذلك من تمثيله البعد السياسي الوطني ومن تصعيده للنضال، حتى بات مطلوباً ومطارداً من سلطات الإنتداب. لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها المنفى والقيادة من الخارج ، حيث عمل على إمداد الثوار بالسلاح والعتاد والمال وإقامة الصلات الواسعة مع أطراف الحركة الوطنية العربية والبلدان الإسلامية، وتستنتج الباحثة أن قيادة المفتي في الخارج كانت في أقوى مراحلها عندما حصل على دعم الدول العربية ولكنها فقدت زخمها بتراجعه، وباتت والحالة هذه "إسمية" أكثر منها فعلية بسبب القيود.
وترى حمودي أن مقابلته لهتلر في 21ت2/ نوفمبر 1941 لم تفد القضية الفلسطينية ولكنها عززت موقعه الشخصي في الزعامة والقيادة. ولم يكن في "غربته" الدولية قادراً على التحرك لمصلحة القضية الفلسطينية التي كانت تنتظر نتائج الحرب العالمية الثانية وما ستقدمه بريطانيا صاحبة الحل والربط في فلسطين التي سرعان ما أحالت المسألة الى الأمم المتحدة للتنصل من مسؤولياتها، فكان قرار التقسيم في 29 ت2 (1947) وتسارع خطوات إعلان إقامة دولة إسرائيل في أيار من العام 1948. وتقول الباحثة ان الحاج أمين في خضم هذه التطورات كان يحاول العودة الى فلسطين من دون نجاح بسبب من ضغوط الإنتداب وقرارات المنع والتضييق من بعض الدول العربية. وترى حمودي ان عودته لم تكن لتغير من ميزان القوى شيئاً، وهو في الأصل كان عاجزاً عن ممارسة دوره القيادي في الخارج.
[ الكتاب: مفهوم القيادة السياسية في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني(قيادة الحاج أمين الحسيني)
[ الكاتب: سناء محمد حمودي
[ الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت 2008)




















