وسام سعادة
ينبغي الاعتراف أنّه، إلى الحين، لم يصر بعد إلى تبيان الغرض الأساسيّ من تعطيل قيام حكومة، وبالتالي تعليق نتائج الإنتخابات النيابيّة. ثمّة مقاربات تنزع بشكل أو بآخر إلى ردّ المسألة إلى تعقيدات اللحظة الإقليميّة، وبشكل رئيسيّ إلى تعقيدات التفاوض النوويّ الإيرانيّ الغربيّ. كما ثمّة مقاربات من نوع آخر تميل إلى تغليب العوامل الداخليّة، وإلى طرح المسألة على أساس ما يمكن أن تتمخّض عليه أشهر مديدة من تعطيل حال المؤسسات الدستوريّة في البلاد من استنزاف لمرتكزات النظام السياسيّ اللبنانيّ نفسه ومن إشاعة أجواء التشكيك بقدرة الدستور الحاليّ للبلاد على تقديم إجابات عمليّة وواقعيّة على المشكلات التي تطرح على جدول أعمال اللبنانيين.
وإذا ما أردنا "التوفيق" بين الرأيين لقلنا إنّ التعقيد الإقليميّ يمنح التعطيل الداخليّ الغطاء مثلما يحكم على هذا التعطيل الداخليّ بالإبتعاد عن المناخات التصادميّة، وإيثار مناخ الحيرة والترقّب على ما عداها، وذلك في إطار من الجمود، ما يمكنه أن يوحي بأن البلاد قادرة على تسيير أمرها من دون حكومة في مرحلة أولى، وقادرة على تسيير أمرها من دون الدستور الحاليّ في مرحلة ثانية.
فهل يمكن في مقابل هذا الاسترسال التشاؤميّ أن يعلّق التعطيل فجأة، ويجري التوصّل إلى شبكة تفاهمات حول الصيغة والمقاعد والأسماء والبيان الوزاريّ؟ هل يمكن أن تنتهي هكذا وبكل بساطة أشهر من تعطيل قيام الحكومة؟
يدرك اللبنانيّون جيّداً أن ثمة فارقاً كبيراً بين مناخ تعطيل الانتخابات الرئاسيّة ومرحلة الفراغ الدستوريّ وبين مرحلة تعليق نتائج الإنتخابات النيابية ومرحلة التعطيل الحكوميّ، إلا أنّ مصدر قلقهم يبقى أنّ تجاوز أشهر الفراغ الدستوري لم يتأمّن إلا بـ"الإنزلاق" إلى "العنف". قد لا يكون القياس محكماً من هذه الناحية بين أمس واليوم، لكن تبقى للسؤال حيثيته حول ما اذا كان من الممكن تجاوز التعطيل بهدوء.
فالتعطيل زمن الفراغ الدستوريّ وشغور موقع الرئاسة الأولى لم يكن هادئاً، وكانت مناخات الاصطدام الأهليّ أكثر من نافرة، وكان الخطاب السياسيّ أكثر من احترابيّ، وكان وسط العاصمة على ما كان عليه، أما التعطيل اليوم فهو هادئ إلى حد كبير، وبالكاد يحتاج إلى لحظة توتير أسبوعيّة لإعادة تحريك عجلة التشاؤم التفاؤل وتكرار المشاهد إيّاها، وهي مشاهد أقل ما يقال فيها إنّها لم تعد تهمّ المواطنين.
فهل يتيح هذا التعطيل الهادئ تجاوزاً أكثر هدوءاً له، فنكون بذلك كمن "استفاد" من محنة الولادة الحكوميّة لمعالجة "السلوكيّات النفسيّة" الحاكمة على السياسة في لبنان بأسباب التوتير، فننتقل من تعطيل هادئ إلى تجاوز هادئ له إلى ممارسة هادئة للعمل الحكوميّ ومعارضة هادئة داخل مجلس الوزراء؟
أم أنّها النظرة المثاليّة التي ليس ما يسندها على الصعيد الإقليميّ، خصوصاً في لحظة عادت فيه المشاهد القاتمة لتطلّ من صعدة في اليمن، إلى بغداد بعد الأحد الدامي، وقبل ذلك التفجير في إيران، وكلّها بحسب ما يرى كثير من المتابعين، من علامات "احتدام" ما على الصعيد الإقليميّ، لا يعرف كيف ومتى وأين ستكون واقعته الكبرى.




















