حازم صاغيّة
هل يمكن لمجتمع ما أن يتقدّم في بعض مستويات التقدّم ويتراجع في مستوياته الأخرى؟ هذا السؤال كثيراً ما قاربته، أو داورته، الأفكار والمناهج واختلفت في أمر جوابه.
لكنّ أمرين اثنين يؤكّدهما الواقع قبل أن تؤكّدهما الأفكار والمقاربات على تعدّدها. الأوّل بينهما أنّ التطابق الكامل والمتساوي بين مستويات التقدّم خرافة صنعها الإيغال في تبسيط التقدّم، وهذا ما دعا جيشاً من المفكّرين إلى التمييز بين عقلانيّة أداتيّة، بلغت ذروة وحشيّتها مع النازيّة، وبين عقلانيّة إنسانيّة ودستوريّة في آن.
وثانيهما أنّ افتراض القطيعة بين مستويات التقدّم خرافة أخرى أنتجتها الشعبويّة والنزعات الرومنطيقيّة التي يجرح نرجسيّتَها نقص تقدّمها، فتستعيض عن ذلك بانتفاخ في الكرامة وورم في الذاتيّة.
مناسبة هذا الكلام التقرير الأخير الذي أصدره «المنتدى الاقتصاديّ العالميّ» في شأن الهوّة الجندريّة، أي الجنسيّة في المدى الاجتماعيّ للكلمة، كما في شأن تضييق تلك الهوّة.
فالواضح، ومن خلال مراجعة موسّعة لأحوال 134 بلداً في اقتصادها وفرص عملها وتعليمها وصحّتها والمشاركة السياسيّة فيها، أنّ البلدان المتقدّمة متقدّمة هنا أيضاً. ذاك أن أيسلندا وفنلندا والنروج والسويد هي البلدان الأربعة الأنشط في ردم الهوّة الجندريّة. ففي تلك البلدان التي تأتي أولاها ترتيباً أولى بينها، أمكن ردم 60 في المئة في ما خصّ فرص العمل ومستويات الأجور و17 في المئة في ما خصّ المشاركة السياسيّة.
في المقابل، ومن دون إخلال بالمبدأ الذي يجعل البلدان المتقدّمة متقدّمة هنا أيضاً، تحدث تراجعات ملحوظة، فبريطانيا تنكفئ من الموقع الـ13 إلى الموقع الـ15، والولايات المتّحدة الأميركيّة من الموقع الـ28 إلى الموقع الـ31، أساساً بسبب تراجع موقع النساء في الاقتصاد، وألمانيا من الموقع الـ11 إلى الموقع الـ12، بسبب انكماش نسبيّ أصاب المشاركة السياسيّة للمرأة (انكماش لا يعوّضه بالطبع احتلال سيّدة منصب المستشاريّة).
بين الحدّين هذين تعكس الأرقام بكثير من الدقّة حقيقة البلدان الواقعة ما بين التقدّم والتخلّف، شأن إيطاليا في الجنوب الأوروبيّ، حيث تحتلّ الموقع الـ72، وهو أحد أسوأ أرقام قارّتها. كذلك يُشاهد حراك، سلبيّ وإيجابيّ، تعبّر عنه الدول التي تحاول ردم الهوّة وتلك التي توسّعها، في الخانة الأولى، تتصدّر جنوب أفريقيا، صاحبة القفزة الأكبر، لا سيّما في مصادر تشكيل قوّة العمل وفي المساهمة السياسيّة للنساء. وفي الحالة الثانية، تتصدّر فنزويلاّ الشافيزيّة التي تردّى بها الأداء في ردم الفجوة، خلال عام واحد، من الموقع الـ59 إلى الموقع الـ69، وهو ما عاد أساساً إلى انخفاض الإسهام النسائيّ في قوّة العمل من 64 في المئة إلى 55 في المئة.
أمّا نحن، العرب، فحصّتنا لا تثير إلاّ الحسرة، حيث يقبع معظم بلداننا تحت المعدّل الكونيّ المتوسّط، بل تحته بكثير، فيما السعي إلى ردم الفجوة إمّا نادر أو أقلّ من أن يُذكر. هكذا تنعكس بدقّة أحوالنا في سائر جوانبها، فنرى بلداً كاليمن، المحترب في داخله والعاصي على الحداثة وعلى فكرة الدولة المركزيّة وواقعها، يحتلّ الموقع الـ134، أي آخر مواقع البلدان التي تناولها التقرير.
فهل يستطيع التخلّف أن يقود العالم في السياسة وهو… متخلّف؟ ألا تستدعي فكرة الحقّ وامتلاك الحقّ درجة من التقدّم ومن وعي التقدّم يحولان دون تبديد الحقّ في حال وجوده؟




















