"غير مسؤول وخطير جدا؟"
"اذا صمدت على موقفك، فاننا سنكون الى جانبك قريبا؟"
تلخص هاتين العبارتين المواقف المتناقضة والاجواء المحمومة السائدة في كواليس وقاعات الاتحاد الاوروبي في بروكسيل حول الموقف التشيكي من التصديق على معاهدة لشبونة. ردد العبارة الاولى، اكثر من مرة، الرئيس التشيكي السابق فاكلاف هافل في الذكرى العشرين لـ" ثورة المخمل " في الجمهورية التشيكية، وكان يعني بها " الربط" الذي اقامه الرئيس الحالي فاكلاف كلاوس بين توقيعه على مصادقة بلده على معاهدة لشبونة وبين مراسيم " بينيس " الذي يعود تاريخها لعامي 1945-1946 واقرت طرد اكثر من ثلاثة ملايين الماني من منطقة السوديت بحجة تعاملهم مع النازيين. اما الثانية فقد ذكرتها صحيفة "الدايلي ميل "البريطانية نقلا عن زعيم حزب المحافظين البريطاني الجديد ديفيد كاميرون، ووجهها الى كلاوس حاثا اياه عدم التوقيع على المعاهدة، لأنه، اي كاميرون، سيخوض الانتخابات الاشتراعية في بريطانيا الربيع المقبل تحت عنوان: إعادة طرح المعاهدة على استفتاء شعبي في بلده..
عندما انجز الرئيس الفرنسي الاسبق جيسكار ديستان مشروع الدستور المشترك للاتحاد الاوروبي عام 2005، رأى فيه كثير من المحللين صياغة قانونية جافة لا يستطيع المواطن الاوروبي العادي التعاطي معه بسهولة. وعندما فشل المشروع بسبب "اللا" الفرنسية والهولندية، سارع الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي بالتعاون مع بعض القادة الاوروبيين الى صياغة معاهدة "مبسطة"، جرى تبنيها في كانون الاول عام 1997 باسم "معاهدة لشبونة" في اجتماع للقادة الاوروبيين في العاصمة البرتغالية.
من اهم ميزات هذه المعاهدة انها لا تخضع للموافقة الشعبية بل يكفي المصادقة عليها من برلمان ورئيس الجمهورية في بلد معين، ما لم ينص دستور هذا البلد عكس ذلك. تمت المصادقة على هذه المعاهدة من قبل 24 عضوا من اصل 27،و تعهدت الجمهورية التشيكية بانها ستكون البلدالاخير في مسيرة المصادقة، في حين ربطت بولونيا الموافقة عليها بموافقة الجمهورية الايرلندية. تمت موافقة هذه الاخيرة عليها في استفتاء شعبي ثان في الثاني من الشهر الجاري، وفي العاشر من نفس الشهر وافق الرئيس البولوني ليش كاسوفسكي عليها، ولكي تصبح المعاهدة سارية المفعول يجب موافقة جميع الاعضاء اي يجب موافقة تشيكيا حيث رفض الرئيس كلاوس التوقيع ما لم يحصل على ضمانات بعدم مس احد بنود المعاهدة " المتعلق بالحقوق الاساسية " بمراسيم" بينيس "
الجدير ذكره في هذا المجال ان منطقة السوديت المحيطة بتشيكيا، التي كانت جزءا من تشيكوسلوفاكيا السابقة كانت تقطنها اقلية المانية واستطاعت الانضمام الى المانيا بدعم من الحكم النازي عام 1938 وبموجب مقررات مؤتمر ميونيخ الذي عُقد يومي 29 و 30 ايلول من هذا العام. بعد نهاية الحرب، عُقد مؤتمر بوتسدام عام 1946 بين ستالين السوفياتي وتشرشل الانجليزي وترومان الاميركي للإتفاق النهائي على تقسيمات يالطا، فاعيدت السوديت الى تشيكيا وتم طرد اكثر من ثلاثة ملايين الماني من ديارهم وممتلكاتهم بموجب مراسيم اصدرها الرئيس التشيكي ادوارد بينيس في تلك الفترة، وخشية كلاوس، في حال انضمت بلاده الى معاهدة لشبونة، من ان يستخدم المان السوديت ميثاق المعاهدة من اجل استرداد ممتلكاتهم او المطالبة بتعويضات مالية من الحكومة التشيكية.
على رغم الضغوطات التي يتعرض لها الرئيس كلاوس وخصوصا من رئيس الاتحاد الاوروبي الحالي ورئيس المفوضية الاوروبية فانه ما زال يرفض التوقيع ما لم يحصل على ضمانات بعدم اللجوء الى الميثاق المذكور، علما بان الحكومة التشيكية لم تثر هذه القضية لدى مناقشة مسودة المعاهدة. تدعم الطبقة السياسية التشيكية مطالب كلاوس خوفا من ردة الفعل السلبية من قبل المواطنين في الانتخابات الاشتراعية بعد عدة اشهر، كما ان كلاوس اوعز لعدد من اعضاء مجلس الشيوخ تقديم شكوى ثانية الى المحكمة الدستورية العليا للطعن بالمعاهدة لتناقضها مع بنود الدستور التشيكي الحالي، وما زالت المحكمة تدرس الرد عليها. وفي تطور مفاجئ ومرتبط بالموقف التشيكي طالب رئيس الحكومة السلوفاكية باستثناء بلده من البند المتعلق بالحقوق الاساسية حرصا على عدم مطالبة المجريين الذين طُردوا من السوديت ابان الحرب العالمية الثانية، بسبب تعاونهم مع النازيين، باسترداد ممتلكاتهم السابقة…
لقد برزت، أخيرا، بوادر انفراج وتليين في الموقف التشيكي اذ اعلن الرئيس كلاوس: " ليس ممكنا ايقاف العربة ولا القيام بخطوة الى الوراء.."، وقد لاقى هذا الموقف التشيكي، موقفٌ مطمئنٌ آخر جاء على لسان نائب رئيس المفوضية الاوروبية الالماني غانتر فيرهوجين بقوله: " ليس لدى اي الماني نية للمطالبة بالسوديت "، ومعنى ذلك ان هناك سيناريو ما يجري التداول به لفك العقدة التشيكية لتنطلق عجلة الاتحاد في الاتجاه الصحيح. والا فان بعض المراكز الرئيسة في الاتحاد الاوروبي ستشغر ومنها على سبيل المثال: رئيس المفوضية الاوروبية ستنتهي ولايته آخر هذا الشهر وكذلك مركز مسؤول العلاقات الخارجية ويعني ذلك شل عمل الاتحاد؛ في الوقت الذي كانت تحضَر الدوائر المعنية في الاتحاد لعقد جلسة للمجلس الاوروبي، الذي يضم رؤساء دول وحكومات الاعضاء في 29و30 من الشهر الجاري، للمباشرة بتبني الاصلاحات التي نصت عليها معاهدة لشبونة ومنها تعيين رئيس دائم للاتحاد ووزير خارجية للمساهمة بشكل كبير في توحيد مواقف الاعضاء وتعزيز دوره العالمي وادخال تعديلات اضافية على سياسة الاتحاد الامنية والزراعية…
"المستقبل"




















