إنها لحظة محورية في المسألة الأفغانية، فإليكم رأيي: يجب أن نفكّر في سبيل لخفض عديد جنودنا وأهدافنا هناك بطريقة مسؤولة، بدلاً من أن نحفر أعمق فأعمق. فنحن لا نملك ببساطة شركاء أفغاناً ولا حلفاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ولا دعماً داخلياً ولا موارد مالية ولا مصالح وطنية لتبرير مجهود موسَّع ومطوَّل لبناء الأمة في أفغانستان.
أستند في استنتاجي هذا إلى ثلاثة مبادئ. أولاً، عندما أستعيد بالذاكرة كل المحطات التي أُحرِز فيها تقدّم في ذلك الجزء من العالم – كل المرات التي قام فيها لاعب أساسي في الشرق الأوسط بأمر رسم ابتسامة على وجهي – يتبيّن أن ثمة قاسماً مشتركاً بينها كلها: لم تكن لأميركا أي علاقة بها.
ساعدت أميركا على تعزيز ما بدأوه، لكن الاختراق لم يبدأ معنا. يمكننا أن ننفخ على ألسنة النيران، لكن على الأفرقاء أنفسهم أن يشعلوا نيران الاعتدال. وكلما حاولنا القيام بذلك نيابةً عنهم، كلما أردناه أكثر مما يريدونه هم، نفشل ويضعفون.
ليس جيمي كارتر من كان وراء معاهدة السلام في "كمب ديفيد". بل إن الرئيس المصري، أنور السادات، ذهب إلى القدس عام 1997 بعدما أجرى الإسرائيلي موشي دايان محادثات سرية في المغرب مع معاون السادات حسن تهامي. قرّر البلدان أنهما يريدان سلاماً منفصلاً – خارج إطار جنيف الشامل الذي كان كارتر يروّجه.
بدأت اتفاقات أوسلو للسلام في مدينة أوسلو – في محادثات سرية في 1992-1993 بين ممثّل منظمة التحرير الفلسطينية، أحمد قريع، والأستاذ الإسرائيلي يائير هيرشفيلد. توصّل الإسرائيليون والفلسطينيون بمفردهم إلى اتفاق عام وكشفوه للأميركيين في صيف 1993، فكانت مفاجأة كبيرة لواشنطن.
حقّقت زيادة عديد الجنود الأميركيين في العراق نجاحاً عسكرياً لأنه سبقتها انتفاضة عراقية أطلق شرارتها زعيم قبلي سنّي هو الشيخ عبد الستار أبو ريشة الذي استعمل قواته الخاصة لطرد السفّاحين الموالين لتنظيم "القاعدة" الذين استولوا على البلدات السنّية وبدأوا يفرضون نمط حياة أصولياً. منحت زيادة عديد الجنود الأميركيين مساعدة حيوية لتلك الحركة سمحت لها بأن تنمو. لكن العراقيين هم الذين أشعلوا الشرارة.
ثورة الأرز في لبنان، والانسحابات الإسرائيلية من غزة ولبنان، والثورة الخضراء في إيران، والقرار الذي اتّخذته باكستان بأن تحارب وأخيراً حركة "طالبان" في وزيرستان – لأنها كانت تهدّد الطبقة الوسطى الباكستانية – كلها نماذج عن غالبيات معتدلة وصامتة تصرّفت من تلقاء نفسها.
الرسالة: "لا يتغيّر الناس عندما نقول لهم إن عليهم أن يتغيّروا"، كما يقول خبير السياسة الخارجية في جامعة جونز هوبكينز، مايكل ماندلباوم الذي يضيف "يتغيّرون عندما يقولون هم لأنفسهم إن عليهم أن يتغيّروا".
وعندما تأخذ الغالبيات المعتدلة الصامتة مستقبلها في يدها، نربح. وعندما لا تفعل، عندما نريدها أن تقدّم مزيداً من التنازلات، نخسر. يشعر السكّان المحليون أننا تحت رحمتهم، فيستغلّون إرادتنا الطيّبة الساذجة ووجودنا لنَهْب بلدانهم وهزم خصومهم في الداخل.
هكذا أرى أفغانستان اليوم. لا أرى شرارة اعتدال. أرى وزيرة خارجيتنا تناشد الرئيس حميد كرزاي إعادة إجراء الانتخابات التي سرقها بكل وقاحة. كما أرانا نتوسّل الإسرائيليين لوقف بناء مزيد من المستوطنات الجنونية أو الفلسطينيين للجلوس إلى طاولة المفاوضات. حان الوقت للتوقّف عن تمويل هرائهم. فليبدأوا جميعاً بدفع ثمن تطرّفهم بالتجزئة لا بالجملة. عندئذٍ سترونهم يتحرّكون.
ماذا لو قلّصنا وجودنا في أفغانستان؟ ألن يعود تنظيم "القاعدة"، ألن تُمنَح حركة "طالبان" زخماً وتنهار باكستان؟ ربما. وربما لا. يقودني هذا إلى مبدئي الثاني: في الشرق الأوسط، تدور السياسة برمتها – كل ما هو مهم – في الصباح الذي يلي الصباح الأول بعد الواقعة. تحلّوا بالصبر. أجل، في الصباح الذي يلي تقليص وجودنا في أفغانستان، سوف تحتفل حركة "طالبان" وتهتز باكستان ويصدر بن لادن شريط فيديو متهلّلاً.
وفي الصباح الذي يلي ذلك الصباح، سوف تبدأ فصائل "طالبان" بالاقتتال في ما بينها، وسوف يكون على الجيش الباكستاني إما أن يدمّر حركة "طالبان" في باكستان وإما أن يتركها تدمّره، وسوف يجزّئ أمراء الحرب الأفغان البلاد، وإذا خرج بن لادن من كهفه، سوف تجهز عليه طائرة غير مأهولة.
مبدئي الموجِّه الأخير: نحن العالم. أميركا القوية والمتعافية والواثقة من نفسها هي التي تجعل العالم يتماسك ويسلك طريقاً لائقاً. أما أميركا الضعيفة فسوف تكون كارثة لنا وللعالم. تحب الصين وروسيا وتنظيم "القاعدة" فكرة أن تخوض أميركا استنزافاً طويلاً وبطيئاً في أفغانستان. أما أنا فلا أحب الفكرة.
لقد أعطى الجيش الأميركي تقويمه للوضع. فقد أعلن أن إرساء الاستقرار في أفغانستان والتخلّص من التهديد الذي تشكّله يقتضيان إعادة بناء البلاد برمتها. لسوء الحظ، يستغرق هذا المشروع عشرين سنة في أفضل الأحوال، وليس بمقدورنا تحمّل ذلك. لذلك يتعيّن على قيادتنا السياسية أن تصرّ على استراتيجيا من شأنها أن تؤمّن القدر الأكبر من الأمن مقابل مال ووجود أقل.
نحن لم نعد نملك ببساطة الفائض الذي كن متوافراً لنا عندما بدأنا الحرب على الإرهاب بعد أحداث 11 أيلول – ونحن بحاجة ماسة إلى بناء الأمة في الداخل. يجب أن نكون أذكى من ذلك. فلننتهِ من العراق، لأنه من شأن نتيجة لائقة هناك أن تؤثّر إيجاباً في العالم العربي-الإسلامي برمته، وتحدّ من تعرّضنا للخطر في أماكن أخرى. العراق مهم.
أجل، سوف يولّد تقليص حضورنا في أفغانستان تهديدات جديدة، لكن توسيعه سيتسبّب بذلك أيضاً. وفي التعامل مع التهديدات الجديدة، من الأفضل برأيي أن تكون أميركا أقوى.
"نيويورك تايمز"
ترجمة نسرين ناضر
"النهار"




















