المشاورات الحكومية في لبنان عينة على موقع المواطنين في الحياة السياسية. فبعد أكثر من خمسة أشهر على تكليفه تشكيل الحكومة، لم يتنازل الرئيس المكلف ليخاطب ناخبيه ويقدم تفسيراً أو شرحاً معقولين لأسباب المراوحة المديدة.
مرت «أسابيع حسم» عدة وارتفع منسوب التفاؤل ثم انخفض وبُنِيت ثقة مع جهات في المعارضة، وغابت المعوقات الإقليمية التي حالت دون الاتفاق على أسماء الوزراء وأفعالهم وحقائبهم، على ما يقول أنصار الأكثرية النيابية. بيد أن ذلك كله وأكثر منه، لم يفرج الغمة ويخرج الحكومة من عالم الغيب.
الناخبون الذين استدعوا ذات يوم حزيراني بعيد ليقولوا عبر صناديق الاقتراع ما جهدت أحزاب الأكثرية في حملهم على قوله طوال أعوام أربعة، لا مقام لهم ولا اعتبار. أصوات الناخبين ليست وكالة قابلة للعزل، بحسب ما يفترض ان تكون بحسب الأعراف والقوانين الانتخابية في العالم، بل هي تفويض لصاحب السلطة بالتصرف على النحو الذي يرى ويعلم. وفي الأعم الأغلب، يكون الرأي والعِلم هذان من الشح والضحالة بما لا يدع مجالا لتصرف يستند الى بداهات العملية الديموقراطية القائلة، جملة، بصدور السلطات عن الشعب، او الناخبين.
وبدلا من اللجوء الى الناخبين وحضِّهم على المطالبة بحقهم في سلامة التمثيل في الحكومة، اداة السلطة الأولى، ذهب قادة الأكثرية الى اللعب في ملاعب الخصوم. ولئن جرى التراجع عن مطالب شكَّلت أساس التحرك «السيادي والاستقلالي» لضرورات حفظ السلم الأهلي، كعدم تناول مسائل السلاح والاستراتيجية الدفاعية، او بكلمات أخرى طي البحث في حق الدولة ان تكون دولة، لم يعد مستغرباً قبول الأكثرية بصيغ تصادر «أكثريتها»، من صنف الثلث المعطل والمداورة في الحقائب السيادية وما يدخل في الباب هذا من التفاصيل.
لقائل أن يقول إن «انعطافة» وليد جنبلاط قد حرمت الأكثرية من ديناميكيتها ونقلت الأزمة الى قلبها، وان الرئيس المكلف يبدو وقد «ضُرِب من بيت أبيه»، وان التحالفات السياسية اللبنانية شيمتها الاضطراب والتأرجح أكثر من أية علاقات مشابهة بين الأحزاب والتيارات في العالم الواسع لأسباب ترتبط بالبنية الطائفية اللبنانية. صحة القول هذا لا تنفي أن أسلوب إدارة المشاورات الحكومية التي أفضت إلى اعتذار سعد الحريري ثم إلى إعادة تكليفه تشكيل الحكومة، بيّن هشاشة الأكثريات والأقليات وتشكلهما في بيئة طائفية معروفة توجهاتها من دون الانتخابات وقبلها، إضافة إلى عبثية البحث عن مخارج من نظام سياسي مقفل ومستحيل.
بهذا المعنى، لا يكون إهمال الأكثرية لجمهورها وتجاهل التوجه إليه والى حشده في معركة ربما يصلح شعاراً لها «الحفاظ على الانتصار الانتخابي» – بعد تعبئته في معارك ليس من المبالغة القول إن شعاراتها ومبرراتها أقل أهمية بكثير- لا يكون سلوك كهذا نتيجة رسوخ ضرب من الممارسة السياسية الفوقية والاستعلائية فحسب (وهي الممارسة المناقضة، تعريفاً، للديموقراطية المُدّعاة)، بل يكون ناجماً أيضاً عن وصول الصيغة التي تواضع اللبنانيون وتوافقوا عليها في الطائف، قد انقضى عهدها قبل أن تشهد تطبيقها تطبيقاً ناجزاً.
إذا شهد اليوم صدور مراسيم تشكيل الحكومة أو تأخر الإنجاز المنتظر لأشهر عدة بعد، فلا هذا ولا ذاك يلغي صعوبة العيش مع نظام سياسي غير متوائم مع سيولة الاجتماع السياسي اللبناني، ويفتقر أساسا إلى آليات تضمن تطوره وتمنحه الحصانة حيال «حقوق» ما أنزل الله بها من سلطان.
"الحياة"




















