حسان حيدر
الناخبون الأميركيون في ولايتي فيرجينيا ونيوجيرسي وجهوا «طلقات تحذيرية» الى الحزب الديموقراطي والرئيس باراك اوباما، واختاروا حاكمين جمهوريين، ويتوقع ان تتبعهما ولايات أخرى، لا سيما في الانتخابات النصفية التي ستجرى الخريف المقبل، في ما يشبه حركة «تمرد» على استمرار تردي الوضع الاقتصادي ومشروع الضمان الصحي المكلف الذي تسعى الادارة الجديدة لاقراره. لكن اذا كان الاميركيون يركزون عندما يختارون مرشحيهم على شؤونهم الداخلية البحتة، فإن «الناخبين» الدوليين مصابون هم ايضا بالإحباط من أداء الدولة التي يفترض انها تقود العالم.
فبعد عشرة شهور أمضاها في المكتب البيضاوي، تعكس مواقف أوباما تخبطاً وتراجعات ومرونة زائدة عن الحد، في قضايا تطاول بالخصوص منطقة الشرق الاوسط، وتتطلب بعض الحزم والوضوح في رسم حدود ما يمكن التنازل عنه أو التفاوض عليه مع قوى بعضها لا يستسيغ أساساً فكرة التعامل مع الأميركي أو حتى مجرد المساومة على ما يعتبره «حقوقاً» وعناصر قوة، وبعضها الآخر يرى ان دور الأميركي يجب أن يقتصر على دعم وجهة نظره وعدم المجادلة في صوابية ما يفعل.
والمثال الأبرز على التخبط في معالجة ملفات المنطقة كان جولة الوزيرة كلينتون التي حفلت بمواقف متناقضة في كل عاصمة حطت فيها، فأيدت في اسرائيل تشدد حكومة نتانياهو في عدم الالتزام بوقف الاستيطان شرطاً لمعاودة مفاوضات السلام مع الفلسطينيين ورفض أي تفاوض حول القدس، ثم عادت فأكدت في مراكش حيث التقت نظراءها العرب انها تعتبر المستوطنات غير شرعية وان موقف واشنطن من المسألة لم يتغير، ثم دعت في القاهرة الى ان تشمل المفاوضات حول الدولة الفلسطينية كل القضايا بما في ذلك القدس. وبين كل هذه المواقف بدا الفلسطينيون، الطرف الأضعف في المعادلة، كأنهم من يفترض أن يدفع الثمن بعدما كانت واشنطن وعدتهم بتعويض سنوات من الاهمال الذي مارسته الادارة الجمهورية السابقة.
وفي الملف الايراني، يواصل أوباما سياسة «الحب من طرف واحد»، بينما ترفض ايران مقابلته بالمثل وتتحدث عن خناجر يخفيها خلف تودده، وتواصل ابتزازه في أكثر من «ساحة»، غير عابئة برسائله المعطرة. وهنا ايضاً تبدو واشنطن مشوشة وغير قادرة على فهم استراتيجية طهران في التفاوض، ما اضطر القادة الاوروبيين مراراً، وكان آخرهم المستشارة الالمانية ميركل، الى تذكير أوباما بأن لا بد من مواجهة «الحيل الايرانية القديمة» بشيء من الحزم، وبأن من غير المقبول جرجرة الأمور الى وقت يصبح فيه امتلاك طهران السلاح النووي أمراً واقعاً.
وفي العراق وأفغانستان، تبدو النزاعات الداخلية الطائفية والعرقية التي تعوق اعادة بناء الدولة وكأنها ليست من مسؤولية الاميركيين، القوة المحتلة، بل ان هؤلاء يكتفون بالتفرج بانتظار صدور قرار الانسحاب، فيما العراقيون عاجزون عن وضع قانون للانتخابات ويتنازعون على الصفقات، وفيما الفساد والتزوير ينهشان حكومة كابول ويلغيان أي أمل بقدرتها على تقديم بديل من «طالبان».
عندما انتخب الأميركيون أوباما قبل سنة من اليوم، رأى الكثيرون، وخصوصاً في العالم العربي، ان الرئيس الجديد يشبه الملاكم الأسطورة الأسود محمد علي الذي أحبوه والذي كان يخاطب خصمه كثيراً خلال مبارياته و «يرقص كالفراشة ويلسع كالنحلة». لكن هؤلاء اكتشفوا ربما أن أوباما يكثر الكلام ويرقص ايضاً… لكنه لا يلاكم.
"الحياة"




















