من يقرأ تقديرات مجلس الأمن القومي الاسرائيلي التي نشرتها الصحف مطلع هذا الأسبوع وهي مجموعة مقترحات لكيفية تصدي اسرائيل للتهديدات الأمنية؛ والمذكرة العلنية التي أعدها كل من سكوكروفت وبريجينسكي والموجهة الى الرئيس الأميركي المنتخب اوباما يقترحان فيها مسودة خطة لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، سرعان ما سيقع على أوجه الخلاف المتوقعة بين الحكومة الاسرائيلية المقبلة والادارة الأميركية الجديدة.
ففي الوقت الذي تشجع المقترحات الأميركية الرئيس الجديد على اعلان خطة مبادىء لحل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي في أسرع وقت ممكن وتحديداً قبل موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في شباط المقبل بهدف التأثيرعلى الأحزاب الاسرائيلية المتنافسة ودفعها الى الاعلان صراحة عن موقفها من مبادىء التسوية السياسية المقترحة، ودفع الرأي العام الاسرائيلي الى مشاركة فعالة في تحديد مصير العملية السلمية في المنطقة من خلال خياراته الانتخابية، يبرز في المقابل موقف اسرائيلي واضح يحذر من الاقدام على اي خطوة عملية نحو حل الدولتين انطلاقاً من الاقتناع الاسرائيلي العميق بأن رئيس السلطة الفلسطينية والمحاور الأساسي للحكومة الاسرائيلية محمود عباس على وشك الزوال مما يعني عملياً شطب حل الدولتين عن جدول الأعمال السياسي وتعليق التسوية السلمية مع الفلسطينيين.
وفي حين تشدد التقديرات الاسرائيلية على ضرورة منع اجراء انتخابات جديدة في السلطة الفلسطينية خوفاً من فوز حركة "حماس" من جديد؛ ليس من الواضح ما سيكون عليه موقف الادارة الأميركية الجديدة من الموضوع مع العلم ان اوباما عارض سابقاً مشاركة "حماس" في الانتخابات. ولكن ثمة توجه أميركي يرمي الى التأثير على "حماس" من اجل ابداء المزيد من المرونة والالتحاق بقطار التسوية الأمر الذي تستبعده اسرائيل نهائياً. وفي الواقع فإن تفاقم الخلافات بين حركتي"فتح" و"حماس" والتدهور الكبير في الوضع في غزة واحتمال انهيار السلطة الفلسطينية بعد انتهاء الولاية القانونية لمحمود عباس وعدم اجراء انتخابات فلسطينية جديدة، كل ذلك يقدم خدمة كبيرة لاسرائيل ويؤجل أي تقدم جدي على مسار التسوية السياسية مع الفلسطينيين. والراهن منذ اليوم أن الخلاف الفلسطيني – الفلسطيني يسمح للأحزاب الاسرائيلية وبصورة خاصة اليمينية منها باستخدامه ذريعة لتبرير رفضهم البحث بالتسوية السلمية وبإنسحابات جديدة او بمستقبل المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية.
واذا كان لا مجال من تفادي الاحتكاك الاسرائيلي مع الادارة الأميركية الجديدة في موضوع التسوية مع الفلسطينيين؛ فإن ثمة مجال آخر للخلاف موضوعه التفاوض مع سوريا. فعلى الرغم من الاقتناع الاسرائيلي بضرورة المضي قدماً في المفاوضات غير المباشرة مع سوريا و احتمال انفتاح الادارة الأميركية الجديدة على سوريا وقبولها الاضطلاع بدور الوسيط المحايد والعادل؛ فثمة احتمال كبير في حال فاز الليكود بالانتخابات ان تتعرض هذه المفاوضات لاعادة نظر أساسية تطول بصورة خاصة رفض اليمين الشرط المسبق الذي وضعته سوريا لمعاودة المفاوضات أي اعتراف رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود اولمرت بوديعة رابين والموافقة المسبقة على الانسحاب الشامل من هضبة الجولان مقابل السلام.
قبل نحو شهرين على الانتخابات الإسرائيلية بدأ يظهر السباق مع الزمن بين توجهات الادارة الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط من ناحية ومن ناحية ثانية التنافس الشديد بين اليمين الاسرائيلي وأحزاب الوسط واليسار على قيادة اسرائيل في المرحلة المقبلة ورسم مستقبل التسوية السلمية في المنطقة. والواضح حتى الآن رغبة الأحزاب الكبرى الاسرائيلية المتنافسة في عدم تقديم موضوع الحل مع الفلسطينيين على غيره من الموضوعات في حملتها الانتخابية، مما يؤكد مرة أخرى أنه كلما ازداد ضعف السلطة الفلسطينية كلما أفل حل الدولتين، حتى بالنسبة لحزب "كاديما" وحزب العمل اللذين تعهدا بتحقيقه أمام ادارة الرئيس جورج بوش. ولن تستطيع الادارة الأميركية الجديدة ولا وزيرة خارجيتها اعادة الحياة الى مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة في الوقت الذي يشهد العالم انهيار السلطة الفلسطينية.
"النهار"




















