تدار السياسة الدولية بوسائل القوة الصلبة مثل الجيوش وحجم الاقتصاد، وأيضاً بوسائل القوة الناعمة مثل الإعلام وخلق المناخات الدولية التي تجعل قضية ما تستقر في "الوجدان العالمي" وتمهد الطريق أمام قبول أمر واقع أو تغييره بوسائل القوة الصلبة. من هنا يتضح أن وسائل القوة الناعمة لا تقل في أهميتها عن وسائل القوة الصلبة، بسبب أنها تمهد الأرضية للتغيير أو التثبيت في منطقة إقليمية بعينها.
وتعتبر "مجموعة الأزمات الدولية" ومقرها بروكسيل من أهم منابر القوة الناعمة التي تخلق المناخات الدولية للتأثير في قضايا بعينها، حيث تضم المجموعة سياسيين ورؤساء سابقين كمجلس للحكماء لتحليل القضايا العالمية. وتزداد أهمية هذه المجموعة على خلفية طابعها الدولي، إذ إن الأعضاء ينتمون لدول العالم المختلفة وليس لدولة واحدة فقط، ما يشدد على طابعها "الحيادي" و"الدولي" في آنٍ واحد. وتخرج المجموعة بتقارير عمل تعتبر الأكثر موضوعية على الصعيد الدولي، وتذهب في الغالب مؤشراً الى اتجاهات الريح لهذه المسألة أو تلك، وترمومتراً لقياس حرارة الأطراف الفاعلة في هذه القضية أو تلك على المستوى الدولي.
ظهر تقرير "مجموعة الأزمات" الأخير عن علاقة تركيا بأكراد العراق على خلفية الصراع الذي يغلي على الحدود بين تركيا والعراق منذ سنتين، بحيث أن مؤشرات التوتر لا تزال واضحة على طرفي النزاع. ويلحظ التقرير أن أنقره لا تعتمد فقط على الوسائل العسكرية لحل الصراع مع إقليم كردستان العراق، بل أيضاً على الوسائل الاقتصادية التي تميز تركيا باعتبار أن الاقتصاد من أهم عوامل القوة التركية الشاملة. ووفق هذا النسق لا يبدو غريبا أن تركيا التي ترسل نفاثاتها لقصف المنطقة الحدودية مع العراق بعد كل عملية من عمليات حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي التركية، تنجح في الوقت نفسه في تحسين علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع حكومة كردستان المركزية. كما تبنت تركيا لمواجهة خطر زيادة النفوذ الكردي بالعراق خطة ديبلوماسية وسياسية واقتصادية متكاملة لحماية مصالحها هناك، وليس فقط طلعات الطيران المكثف على منطقة قنديل الجبلية الوعرة على الحدود التركية – العراقية.
السيطرة الاقتصادية
بدلا من العمليات العسكرية
وبالرغم من اتفاق مختلف القوى السياسية التركية على ضرورة مجابهة الخطر الكردي الآتي من شمال العراق، إلا أن هذه القوى تعود لتختلف على الوسائل اللازمة لمواجهة هذه الأخطار. ترى القوات المسلحة التركية ومعها "حزب الشعب الجمهوري"، و"حزب الحركة القومية"، أن حكومة إقليم كردستان العراق هي التي سمحت بظهور خطر حزب العمال الكردستاني على الحدود التركية – العراقية مرة أخرى؛ ولذلك يفضل أصحاب هذا الرأي مواجهة هذه الحكومة بالقوة المسلحة وعزلها ديبلوماسيا وتقليص صلاحياتها إلى المستوى الذي كان سائداً قبل احتلال العراق عام 2003.
أما التيارات الأقل راديكالية مثل التيار الليبرالي المؤيد لانفتاح تركي على أوروبا، وأنصار "حزب العدالة والتنمية" الحاكم، ومعه دوائر النخبة التركية فلا تختلف في الهدف النهائي مع الدوائر المتشددة ولكنها تتبنى إجراءات غير عسكرية لمواجهة خطر حزب "العمال الكردستاني". ويتبنى الفريق الثاني طريق التعاون الاقتصادي مع حكومة إقليم كردستان كوسيلة للسيطرة على طموحات "حزب العمال الكردستاني"؛ وذلك بغرض الوصول إلى تعميق التبعية الاقتصادية لإقليم كردستان لتركيا، وهو ما يؤدي في النهاية للضغط على الإقليم اقتصادياً والتحكم بمسار الحراك السياسي الدائر فيه.
وهكذا ظهر اتجاه جديد في التفكير الاستراتيجي التركي مفاده أنه ليس من الضروري التدخل بالوسائل العسكرية في كل مرة لمواجهة "حزب العمال" بل يمكن تركيا أن تستفيد من المنطقة الكردية في شمال العراق بشرط تبعيتها الاقتصادية لها، ووفق هذا المقتضى تستطيع أنقرة تحويل التهديدات إلى فرص. ويصب في الاتجاه ذاته حقيقة أن إقليم كردستان المعزول بين جغرافيا الدول الثلاث: العراق وإيران وتركيا، يحتاج إلى الأخيرة كقناة للتواصل مع العالم الخارجي. وهذا يسمح لتركيا بتحويل صادرات النفط والغاز الكردية عبر الأنابيب إلى ميناء جيهان على البحر الأبيض، وأيضاً بالاستحواذ على موارد الطاقة الكردية لاقتصاد تركي ينمو باضطراد، كما يحقق ذلك جدوى اقتصادية لتوجيه الاستثمارات التركية إلى مشروعات البنية التحتية في إقليم كردستان بالتوازي مع تدفق البضائع التركية الأكثر جودة إلى الأسواق الكردية في شمال العراق. تعتقد "مجموعة الأزمات الدولية" أن العمليات الحربية التي تشنها تركيا في أعقاب كل عملية لحزب العمال تستهدف تحريك واشنطن وبغداد نحو مطالب تركيا؛ وليس كسر حكومة كردستان العراق باعتبار أن ذلك يبدو خطاً دولياً أحمر لا يمكن تخطيه بسهولة. أما بخصوص مستقبل العراق السياسي فيلاحظ التقرير أن تركيا لم تعد تفاضل بين دولة عراقية موحدة أو فيديرالية، بل أصبحت – بفعل الأمر الواقع الحالي – تبحث في نوعية الفيديرالية المفترض أن تنشأ وحجم اللامركزية التي ستمنح لإقليم الشمال الكردي. وفي موضوع مدينة كركوك لم تعد أنقره تعول كثيراً على التركمان في العراق لموازنة طموحات الأكراد في المدينة، بل تعتمد حالياً على ترسيخ الطابع المتعدد العرق للمدينة التاريخية التي تحوي أكبر الاحتياطات النفطية. وتتخوف تركيا من أن ينجح الأكراد في ضم مدينة كركوك إلى منطقة حكمهم الذاتي، وهو ما يشكل الأساس المادي لقيام دولة كردية في المستقبل. وللوصول إلى هذا الهدف تمارس تركيا مع الأكراد لعبة ذكاء وتوازنات، مرة بالتحالف مع العرب السنة، وأخرى مع العرب الشيعة لمنع الأكراد من ضم المدينة. كما تقوم تركيا بدفع طموحات العرب السنة في التمثيل بمجالس المدن مثل نينوى وكركوك وصلاح الدين وديالى، وبالتالي تعرقل أنقره ضم هذه المدن إلى إقليم كردستان ولكن قمة الأولويات تحتلها مدينة كركوك. وبسبب عدم تحقق رغبة انقره في أن تصبح كركوك تابعة لبغداد مباشرة، لضعف حكومة بغداد المركزية ومهارة الأكراد في اللعب على التوازنات العراقية، فإن تركيا ستستمر في إقامة التحالفات والضغط الاقتصادي، وحتى القيام بطلعات جوية وضربات عسكرية للتأثير في طموحات الأكراد.
لم تعد القوة العسكرية هي التي تدير السياسة في تركيا، بل التخطيط الإستراتيجي واللعب على تناقضات العراق وتوازنات المنطقة، وهو تطور كبير ينبغي التدبر في آثاره ومعانيه التي تتجاوز حدود إقليم كردستان العراق.
– القاهرة
(مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية)
"النهار"




















