حتى امد قريب، كان ينظر الى الرئيس جلال طالباني باعتباره من رواد الاعتدال، أي ان واقعيته السياسية وفهمه للتركيبة العراقية وما يحيط بها، يجعلانه يخفف من الجموح الكردي نحو الانفصال او الذهاب الى ما يؤدي اليه، لأن عملا كهذا، قد يهدد باطاحة كل المنجز الذي تم تحقيقه حتى الآن.
ذلك المعتقد اصابه الكثير من التشوش بعد الخطوات الاخيرة التي اقدم عليها طالباني، فقد تبين ان الامر لا يعدو تبادل ادوار بينه وبين رئيس الاقليم مسعود البارزاني، ففي وقت يتخذ فيه الاخير مواقف متشنجة كاشفا عن توجهات علنية نحو "الاستقلال"، يلجأ طالباني الى نوع من المناورات السياسية التي يغلب عليها الدهاء حيث تبطن بظاهر يخفي ما هو مقصود.
الخلاف بين الاثنين يتمحور حول نقطة واحدة، التوقيت، حيث يرى طالباني ان الوقت لم يحن بعد للانفصال عن بغداد، ذلك لأن الجبهة التركية مازالت مفتوحة، فيما يجري تحييد الجبهة الايرانية أو كسبها، اما السوريون، فلا تأثير كبيراً لهم على ماقد يلجأ اليه كرد الاقليم.
وهكذا تجري مساع حثيثة لطمأنة الاتراك بأن الطموح الكردي لن يتعدى اقليم كردستان، مقابل التعاون للحد من نشاطات حزب العمال الكردستاني، اما الايرانيون، فالعلاقات بينهم وبين طالباني ليست جديدة بل قطعت طهران شوطا في اتجاه مد الجسور نحو البارزاني توجته زيارته الاخيرة للعاصمة الايرانية.
الخطوة الاولى التي قام بها طالباني تمثلت باقناع نائبيه – عادل عبد المهدي وطارق الهاشمي – بأن مجالس الاسناد المدعومة من المالكي، هي ضد مصلحة الاطراف الثلاثة، اذ انها ستزيد المالكي قوة تضاف الى انجازات حكومته على الصعيدين الداخلي (النجاحات الامنية وتجاوزالتخندق الطائفي) والخارجي (الاتفاقية الامنية وانتزاع المزيد من الاعتراف العربي والدولي بحكومته). وفي وقت هدد البارزاني باعتبار منتسبي مجالس الاسناد خونة يجب محاربتهم لجأ طالباني الى خطوة "قانونية" في ظاهرها، لكنها تصيب الهدف ذاته، اجهاض تلك الخطوة التي من شأنها ان تساهم في ازاحة النفوذ الكردي عن المناطق المتنازع عليها في ديالى وكركوك والموصل.
بعدها مباشرة، دعا طالباني الى مأدبة غداء، نوابا تم اخيتارهم ليكونوا من السنّة حصرا، وقد حاول الغمز من ناحية المشترك الطائفي الذي عليه ان يقف في وجه المالكي، لكن النواب المذكورين، لم تنطلِ عليهم الحيلة الطالبانية، فأصدروا بيانا فضحوا فيه تلك المناورة، واشادوا بقرار انشاء مجالس الاسناد، حيث اعتبروها استجابة لمطالباتهم المتكررة بالتصدي للتجاوزات الكردية في ديالى والموصل وكركوك والتي بلغت حدا لايطاق.
مرة اخرى، يتجاوز المالكي قطوعا ليس بالقليل، فعدم نجاح الخطوة "الطالبانية" وانكشاف اهدافها، جعل القيادات الكردية تتراجع عنها نافية سعيها لسحب الثقة من المالكي، ومجالس الاسناد اصبحت مطلبا شعبيا – خاصة في مناطق التماس مع الاقليم – وفيها سيجبر الكرد على كشف المزيد من اوراقهم وبالتالي حرقها الواحدة تلو الاخرى – كما جرى في موضوع تهجير المسيحيين – وتلك حالة لاينقصها الدهاء، فإختيار التوقيت المناسب لدفع الخصم نحو كشف نياته، تعتبر اولى النجاحات في "معركة" ضد خصوم كانوا حتى الامس القريب يملكون زمام المبادرة، اما اليوم، فقد بدأ تحول ذو طبيعة استراتيجية، تعود فيه الطموحات الى احجامها.
تستمد الحكومة قوتها من نقاط، اهمها الدستور، الذي يمنحها صلاحيات واسعة داخل الاقليم، واللجنة المشكلة لاجراء تعديلات دستورية ستفرض حتما صلاحيات اوسع للمركز، خاصة بعدما ايقن الجميع ان المواد التي تمنح الاقاليم صلاحيات توازي المركز او تزيد عليه، انما تهدد بجعل العراق مجرد دويلات لاجامع بينها، وتكون الحكومة المركزية فيه، اشبه بحكومة غورباتشيوف عشية تفكك الاتحاد السوفياتي.
الخلاصة، ان الحكومة ستتفرغ بعد توقيع الاتفاقية، لمعالجة المشاكل مع اقليم كردستان، وهناك الكثير من المؤشرات التي توحي بانها ليست بصدد تقديم أي نوع من التنازلات لمصلحة الكرد، لا في موضوع النفط والعقود النفطية التي وقعتها حكومة الاقليم وتحاول ايجاد المنافذ لتسويقها، ولا في مسألة المناطق المتنازع عليها التي تصر الحكومة ان ادارتها هي من صلاحية الحكومة حصرا، أما في موضوع المنافذ الحدودية والمطارات التي تديرها سلطات الاقليم، فيمكن ان يجري حلها بطرح صيغة تنسيقية.
الراجح ان هناك تطورات دراماتيكية يحملها المستقبل المنظور، وان الحكومة المركزية ستدفع الاكراد نحو: اعلان الانفصال أو الرضوخ دون الاستسلام، واللافت في الامر ان الكثير من الاوساط السياسية والشعبية في العراق، باتت تفضل انفصال الاكراد بعد ان اصبح وجودهم عبئا على كاهل الجسد العراقي، فلا طالباني تحول، ولا البارزاني تخلى…
– بغداد
"النهار"




















