دمشق – «القدس العربي»: رغم توجه هيئة تحرير الشام للعنف اتجاه المناهضين لها، اتسعت رقعة المظاهرات الاحتجاجية المطالبة بتنحي الجولاني والإفراج عن المعتقلين في سجون الهيئة في إدلب ومحيطها شمال غربي سوريا.
واشتعلت أزمة الشمال السوري بعد حملات دهم واعتقال وقضايا تعذيب بحق المعتقلين على خلفية ملف عملاء التحالف في المنطقة، ورغم محاولات أبي محمد الجولاني احتواء انعكاسات الاعتقالات والانتهاكات فإن المسألة لم تنته، ما فتح احتمالاً -بحسب مراقبين- بأن تكون مرشحة للتصاعد الاجتماعي والأمني والعسكري.
الناشط الميداني محمد الخطيب، قال لـ “القدس العربي” إن الاحتجاجات خرجت، الجمعة، في مدينة إدلب حيث تجمهر المتظاهرون عند دوار “الساعة” وسط مدينة إدلب، كما خرجت مظاهرات مماثلة في بلدات بنش، وحربنوش، وقرى متفرقة في جبل الزاوية وكللي، وقورقانيا، وأبين سمعان، والفوعة ومخيمات دير حسان وأطمة بريف إدلب الشمالي، ومدينة الأتارب وبلدة أبين سمعان غربي حلب، حيث طالبوا بإزاحة الجولاني والإفراج عن المعتقلين وحل جهاز الأمن العام.
وقالت مصادر محلية إن مناطق إدلب وريفها الواقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام شهدت انتشاراً واسعاً للحواجز العسكرية على الطرق العامة والفرعية، حيث قطعت أوصال المنطقة قبيل انطلاق المظاهرات المناهضة للهيئة، كما انتشرت المصفحات والآليات العسكرية على الطرق الأساسية في مدينة إدلب ومدينة جسر الشغور وبلدتي الفوعة وبنش في ريف إدلب.
وانطلقت، مساء أمس، مظاهرات ليلية حاشدة ضد هيئة تحرير الشام ومتزعمها الجولاني في كل من مدينة إدلب والفوعة وكفرتخاريم وأرمناز بريف إدلب والسحارة والأتارب بريف حلب، وردد المتظاهرون عبارات “جولاني ولاك مابدنا ياك” وهتافات أخرى وطالبوا بالإفراج عن المعتقلين.
أزمة هيئة تحرير الشام
المرصد السوري لحقوق الإنسان، قال إن جهاز الأمن العام لدى هيئة تحرير الشام، أصدر قائمة سرية بأسماء المتظاهرين الذين يدعون للتظاهر، بهدف اعتقالهم في محاولة من الجولاني إجهاض الحراك في مناطق نفوذ هيئة تحرير الشام. وتضم القائمة 780 اسماً، غالبيتهم في المنطقة الوسطى والغربية من إدلب.
فصّل مركز جسور للدراسات الاستراتيجية، في تقرير له، أسباب الأزمة التي تعصف بهيئة تحرير الشام، مشيراً إلى أنها بدأت مطلع آذار/ مارس 2024 عندما اندلعت احتجاجات مدنية ضد هيئة تحرير الشام وقيادتها، تطالب برفع قبضة جهاز الأمن العامّ وإعادة هيكلته، وتنحِّي أبي محمد الجولاني، ورفع يد الهيئة عن المؤسسات المدنية والإدارية، وتعود الاحتجاجات إلى 25 شباط/ فبراير 2024 عندما قُتل عبد القادر الحكيم (أبو عبيدة تل حديا) أحد عناصر جيش الأحرار، تحت التعذيب في سجون الأمن العامّ بتهمة العمالة للتحالف الدولي، لتخرج مظاهرات في عدة مواقع تطالب بمحاسبة القاتلين، وتطورت لتغدو احتجاجات عامة في مناطق سيطرة الهيئة بإدلب ومناطق سيطرة الجيش الوطني شمال حلب.
امتدت أزمة الاعتقالات في ملف العمالة من منتصف عام 2023 حتى نهايته، وشملت 178 متهماً بالحد الأدنى، معظمهم من هيئة تحرير الشام إلى جانب بعض المدنيين والعسكريين من فصائل أخرى. كان من أبرز المعتقلين ميسرة الجبوري (أبو ماريا القحطاني) أحد أهم الشخصيات العشائرية ورفاق الجولاني منذ بداية تأسيس جبهة النصرة ومراحل تحوُّلها وصولاً إلى تشكيل الهيئة، إضافة إلى عددٍ من قادة الجناح العسكري وبعض الشخصيات المحورية في جهاز الأمن العامّ.
اتَّسمت الفترة الممتدة بين يونيو/ حزيران وديسمبر/ كانون الأول 2023 بحسب المصدر، بالشد والجذب في قضية عملاء التحالف، حيث أكد جهاز الأمن مرتين -على الأقل- انتهاءه من الإطار العام للقضية، وبالتوازي كانت مشاعر الغضب تتراكم لدى قسم كبير من الجناح العسكري في الهيئة، حيث أدى إطلاق سراح عدد من المعتقلين ممن لم تثبت عليهم أي تهمة إلى نقل واقع التعذيب الذي يتعرّض له المعتقلون لقياداتهم المباشرة ومنهم إلى قيادات أعلى، خاصة مع وجود قيادات عسكرية من الصف الثاني مثل: أبي مسلم آفس، وأبي أسامة منير، ضِمن من تعرض لانتهاكات جسيمة وتعذيب شديد في حقه أثناء الاعتقال. في غضون ذلك، وردت أسماء بعض قادة الجناح العسكري مثل مرهف أبي قصرة (أبي حسن 600) في التحقيقات، ما دفع قادة الجناح إلى اتخاذ مواقف حازمة، بدأت بإعطاء أغلب قادة الألوية الأوامر لعناصرهم بمواجهة أي محاولة لاعتقالهم من قِبل الأمن العامّ ولو بالسلاح.
تلا ذلك في 28 يناير/كانون الثاني 2024 تعليق حذيفة البدوي (أبي حفص بنش) قائد لواء طلحة بن عبيد الله وأحد أبرز شخصيّات مدينة بنّش داخل الهيئة احتجاجاً على آلية التعامل مع ملف العملاء برمّته، كما أعلن كلٌّ من القائد العسكري للواء عثمان بن عفان ولواء حمزة بن عبد المطلب، وأبي أسامة منير القيادي العسكري في لواء عثمان تعليق عملهم في الهيئة احتجاجاً على الأحداث التي تجري فيها، ما دفع الجولاني للاجتماع بالقيادي العسكري العامّ في الهيئة أبي حسن 600 للتباحث في تهدئة عناصر الهيئة، وقد توازى ذلك مع تعالي أصوات بعض القيادات من الصف الثاني للمطالبة بإطلاق سراح عناصرهم ورفاقهم من سجون الأمن العامّ ولو بقوة السلاح.
ودفعت هذه الحالة من الغضب المتصاعد إلى تشكيل لجنة رباعية من العسكريين بتوافق من الألوية العسكرية في الهيئة، بهدف ضبط الجناح ومنع حدوث أي شرخ داخله، أبلغت اللجنة -في الوقت ذاته- مسؤولي جهاز الأمن العام بمنع اعتقال أي عنصر عسكري دون الرجوع لقائد لوائه، إضافة إلى تواصُل اللجنة مع قيادة الهيئة لمتابعة آثار قضية الاعتقالات من جهة أخرى.
نتيجة للضغط الذي مارسه الجناح، تم التوصل إلى عدة قرارات أدت في النهاية إلى الإفراج عن جميع المعتقلين ممن تعرضوا للتعذيب أو الاعتراف بالإكراه ولم تثبت عليهم تهمة الانتماء لأيٍّ من خلايا العملاء؛ حيث تم الإفراج عن الدفعة الأخيرة من المعتقلين بتاريخ 10 ديسمبر/كانون الأول 2023، ثم الإفراج عن الأمني العام لمنطقة إدلب أبي محجن الحسكاوي في 22 شباط/ فبراير 2024 وأبي ماريا القحطاني في 1 مارس/آذار.
أزمة مع المجتمع المحلي
وكان تركيز الهيئة منصبّاً على احتواء غضب العسكريين من خلال عدة خُطوات، أبرزها سجن كامل المسؤولين عن التحقيق في ملف العملاء، وإغلاق قضية العملاء بالإعلان رسمياً في 26 يناير/ كانون الثاني عن انتهاء أعمال التحقيقات المتعلقة بدعوى الخلية الأمنية، وتشكيل لجنة قضائية لمتابعة القضية وإلزام الجميع بما تصدره.
أنتج الخلاف بين الجناح العسكري وقيادة الهيئة، بحسب تقرير مركز “جسور”، مساحةً هامشية عمل بعض الناشطين على استغلالها للبدء باحتجاجات شعبية بدأت في 25 فبراير/شباط 2024، حيث تظاهر نحو 30 شخصاً في مدينة سرمدا شمال إدلب، وفي الأول من مارس/آذار خرجت مظاهراتٌ حاشدة ضدّ الهيئةِ وزعيمِها أبي محمد الجولاني في مدينة إدلب وبنّش وكلّلي والأتارب الخاضعة لسيطرة الهيئة، بينما خرجت مظاهرة أخرى في مدينة مارع الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني. اتفق المتظاهرون في المظاهرات على جملةٍ من المطالب ركّزت على 3 نقاط رئيسية هي: إسقاط الجولاني، وحلّ جهاز الأمن العام، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.
توسّعت نقاط التظاهر منذ ذلك الحين أفقياً، إلا أنها لم تتحوّل إلى حالة شعبيّة عامّة، ما أظهر للهيئة إمكانية احتوائها بأساليب عديدة، كإخراج المظاهرات الموالية لها، والإعلان عن بعض الإجراءات الحكومية والخدمية التي تهدف لتخفيض رسوم بعض المعاملات والمواد الخدمية، والسعي لامتصاص غضب الشارع بإعلان عفو عام للمعتقلين لديها ضمن شروط مخصوصة، والإعلان عن اجتماع عام أدى لمخرجات حَوْكَمية عامّة.
وضعت المظاهرات الهيئة أمام أزمة ثانية بجوار أزمتها مع جناحها العسكري، وتحوّلت الأزمة التي سبّبتها قضية عملاء التحالف من داخلية إلى عامة تؤثر في الحاضنة المجتمعية في مناطق سيطرتها، وهو ما استغله كثير من الناقمين على الهيئة -لأسباب مختلفة ومتراكمة- للدعوة إلى تصعيد الاحتجاجات ورفع سقف المطالب فيها متمثّلة بإسقاط الجولاني ودفعه للتنحّي عن رأس هرم الهيئة.
- القدس العربي


























