بداية أعبر عن أسفي لكون مقاربتي عن المغرب العربي، ككيان واحد، وجدانية أكثر منها واقعية. حيث أننا أمام خمسة أقطار لكل منها سياسة معينة، ومخططات تنموية مختلفة، وتحظى بتعامل خاص من طرف القوى الدولية الكبرى تبعا لتموقعها في استراتيجياتها ورهاناتها الإقليمية والدولية.
وكنت أفترض أنّ دول المغرب العربي مهيأة أكثر من غيرها لرسم معالم تعاون إقليمي فاعل في محيطها، وذلك بحكم الطابع البراغماتي الذي ميّز أغلب سياسات أقطاره. إلا أني اكتشفت أنّ ما حصل منذ استقلال الأقطار المغاربية لا يدعم مثل هذا الرأي، ولعله يكشف وجود خلل ما في الإرادة السياسية يقف بمثابة حجر عثرة أمام الطموح المغاربي في بناء قوة إقليمية في شمال غرب أفريقيا، قوة قادرة على ركوب درب التنمية بإيقاع أسرع.
وفي الواقع تؤكد التجربة الإنسانية المعاصرة على قدرة أي مجتمع للنهوض والتنمية الشاملة، إذا أحسن الاستثمار في موارده الاقتصادية والبشرية، وإذا تبنّى سياسات ومخططات واقعية قابلة للتطبيق. ولكنّ الأمر يطرح مجموعة أسئلة:
![]()
![]()
هل الفاعلية الاقتصادية هي مفتاح التنمية ؟ هل النظام السياسي هو محركها الأساسي ؟ هل الظرف التاريخي وعلاقة الداخل بالخارج هو العنصر الحاسم ؟ هل الموقع الجغرا – سياسي والثروات الطبيعية هي الفيصل ؟ ثم ما هي التنمية نفسها وما مجالها ؟ وما هي الديمقراطية وما علاقتها بالتنمية ؟ وما هي إشكاليات التنمية والديمقراطية في المغرب العربي ؟
مفهوم التنمية
مر مفهوم التنمية بأربعة مراحل: في أولاها، جرى التركيز على النمو الاقتصادي. وفي ثانيتها، على التنمية البشرية. وفي ثالثتها، على التنمية البشرية المستدامة. وفي رابعتها، على التنمية الإنسانية بمعناها الشامل. واقترن هذا التطور بإدخال مفهوم الحكم الصالح في أدبيات الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنّ بعض البلدان، التي حققت نموا اقتصاديا، لم تستطع أن تحقق تحسنا في مستوى معيشة غالبية السكان، وهكذا فإنّ تحسن الدخل القومي لا يعني – تلقائيا – تحسين نوعية حياة السكان.
لقد أصبحت مقولة التنمية محورا مشتركا لمعظم العلوم الإنسانية وتطبيقاتها، وقد عرّف إعلان " الحق في التنمية " الذي أقرته الأمم المتحدة في العام 1986 عملية التنمية بأنها " عملية متكاملة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، تهدف إلى تحقيق التحسن المتواصل لرفاهية كل السكان وكل الأفراد، والتي يمكن عن طريقها إعمال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ".
إنّ تطبيق هذا الحق يقتضي استمرار الجهود لصياغة أدوات فعالة لقياس التنمية لتحديد جذور المشكلات والعقبات، ويرتبط به مبادئ أساسية خمسة وهي: العدالة، الشفافية، عدم التمييز، المحاسبة والمسؤولية، المشاركة.
ولعله من المفيد التركيز على العناصر الأساسية التالية كمؤشرات للتنمية:
(1)- التنمية عملية وليست حالة، وبالتالي فإنها مستمرة ومتصاعدة، تعبيرا عن تجدد احتياجات المجتمع وتزايدها.
(2)- التنمية عملية مجتمعية، يجب أن تساهم فيها كل الفئات والقطاعات والجماعات، ولا يجوز اعتمادها على فئة قليلة أو مورد واحد.
(3)- التنمية عملية واعية، وهذا يعني أنها ليست عملية عشوائية، وإنما عملية محددة الغايات، ذات استراتيجية طويلة المدى، وأهداف مرحلية ومخططات وبرامج.
(4)- التنمية عملية موجهة بموجب إرادة تنموية، تعي الغايات المجتمعية وتلتزم بتحقيقها، وتمتلك القدرة على تحقيق الاستخدام الكفء لموارد المجتمع، إنتاجا وتوزيعا، بموجب أسلوب حضاري يحافظ على طاقات المجتمع.
(5)- إيجاد تحولات هيكلية، وهذا يمثل إحدى السمات التي تميّز عملية التنمية الشاملة عن عملية النمو الاقتصادي. وهذه التحولات – بالضرورة – تحولات في الإطار السياسي والاجتماعي، مثلما هي في القدرة والتقنية والبناء المادي للقاعدة الإنتاجية.
(6)- بناء قاعدة وإيجاد طاقة إنتاجية ذاتية، وهذا يتطلب من عملية التنمية أن تبني قاعدة إنتاجية صلبة وطاقة مجتمعية متجددة لم تكن موجودة قبلا. وأن تكون مرتكزات هذا البناء محلية ذاتية، متنوعة، ومتشابكة، ومتكاملة، ونامية، وقادرة على التعاطي مع التغيّرات في ترتيب أهمية العناصر المكونة لها، على أن يتوفر لهذه القاعدة التنظيم الاجتماعي السليم، والقدرة المؤسسية الراسخة، والموارد البشرية المدربة والحافزة، والقدرة التقنية الذاتية، والتراكم الرأسمالي الكمي والنوعي الكافي.
(7)- تحقيق تزايد منتظم، بمعنى أنه ينبغي أن يكون تزايدا منتظما عبر فترات زمنية متوسطة وطويلة، وقادرا على الاستمرار في المدى المنظور، وذلك تعبيرا عن تراكم الإمكانيات واستمرارية تزايد القدرات وإطلاق الطاقات وتصاعد معدلات الأداء المجتمعي، وليس تعبيرا عن تغيّرات متأرجحة تلقائية المصدر غير متصلة السبب.
(8)- زيادة في متوسط إنتاجية الفرد، وهذا يمكن التعبير عنه بالمؤشر الاقتصادي المعروف " تزايد متوسط الدخل الحقيقي للفرد " إذا ما أخذ بمعناه الصحيح، وإذا ما توفرت له إمكانية القياس الصحيح.
(9)- تزايد قدرات المجتمع الاقتصادية والتقنية والثقافية والسياسية هو الوسيلة لبلوغ غاياته، وهذا التزايد الذي يجب أن يكون متصاعدا، يجب في الوقت نفسه أن يكون بالقدر النسبي المقارن بالنسبة للمجتمعات الأخرى.
(10)- الإطار الاجتماعي – السياسي، ويتضمن آلية التغيير وضمانات استمراره. ويتمثل ذلك في نظام الحوافز القائم على أساس الربط بين الجهد والمكافأة، إضافة إلى تأكيد انتماء الفرد لمجتمعه من خلال تطبيق مبدأ المشاركة بمعناها الواسع، وكذلك جانب العدالة في توزيع ثمرات التنمية وتأكيد ضمانات الوجود الحيوي للأفراد والجماعات، وللمجتمع نفسه. فهذه الجوانب، بالإضافة إلى كونها تمثل أهداف التنمية، هي في الوقت نفسه مصدر قوة وسائلها وفاعلية وكفاءة أدائها.
وفي سياق الاقتراب من تحقيق المؤشرات السابقة بُذلت جهود متعددة لتعريف الأبعاد السياسية لماهية الحكم الجيد، وهي تتراوح بين حكم القانون ومحاربة الفساد وفاعلية القطاع العمومي، وصولا إلى قدرة المواطنين على حرية التعبير من خلال نظام حكم ديموقراطي. إذ أنّ مؤشر المساءلة العامة يقيس مدى انفتاح المؤسسات السياسية ومستوى المشاركة واحترام الحريات العامة وشفافية الحكومات وحرية الصحافة.
إنّ الحكم الجيد/الرشيد لا يضمن – في ذاته – نتائج جيدة في مجال التنمية، لكنه شرط لا غنى عنه لمنع استمرار النتائج المخيبة والسياسات غير الفعالة، والانتقال إلى نتائج وسياسات أفضل.
تعريف الديمقراطية
خضع مفهوم الديموقراطية، مثله مثل بقية المفاهيم الحديثة، لتغيّرات وأقلمات عديدة، ومتغايرة. إنّ الديموقراطية، كما نفهمها في سياق جدلها مع التنمية، هي جملة من الأدوات الإجرائية التي تسمح بتنظيم الشأن السياسي العام في صورة ناجعة، لما توفره من آليات ضابطة ومنظمة للحياة السياسية، مثل: علوية القانون، والفصل بين السلطات، وتوزيع السلطة بدل مركزتها، واستقلال المجتمع المدني عن المجتمع السياسي، والسماح بتنظيم الأحزاب والجمعيات المستقلة، والانتخابات الدورية، وتداول السلطة سلميا.
جدل التنمية والديمقراطية
حقوق الإنسان لا تقبل التجزئة، وإنما هي حزمة متكاملة، اتسعت دائرتها خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة لتشمل حقوق جديدة، مثل: الحق في التنمية، التي لم تعد نموا اقتصاديا فحسب، بل تشمل أبعادا أخرى اجتماعية وثقافية وسياسية، كما أنها تحتاج لمشاركة الجمهور فيها.
إنّ الربط بين التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وضع على الدولة مسؤوليات وأعباء جديدة، مثل: الحق في السكن والتعليم والعمل والعلاج، والحق في حياة كريمة للمواطنين، تعتمد التعددية الفكرية والسياسية والحق في الاختلاف وتمفصل السلطات.
إنّ العلاقة بين التنمية والديموقراطية تمثل مسارا ذا اتجاهين، بمعنى أنّ الديموقراطية توفر آليات ومؤسسات من شأنها أن تمكّن من تحقيق تنمية حقيقية وذات وجه إنساني، وأنّ تقدم المسيرة التنموية من شأنه أن يخلق الظروف الموضوعية والمناخ الملائم لترسيخ الممارسات الديموقراطية في المجتمع.
ومن أجل تأكيد صحة هذه المقولة يجدر بنا إدراك دور الديموقراطية في توفير الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتحقيق العدالة في ثمار التنمية، وترشيد السياسات الاقتصادية، وتنمية الموارد البشرية، وتعبئة طاقات المواطنين، وضمان الاستخدام الأفضل للموارد الاقتصادية والبشرية، وتحسين أداء الأجهزة الحكومية والمؤسسات الاقتصادية، والكشف عن جوانب الخلل والقصور ومواطن الفساد والانحراف.
وغني عن القول: إنّ توسيع المشاركة الشعبية، في عملية صنع القرارات، يتطلب تشجيع منابر الحوار وتبادل الأفكار والتعبير عنها بحرية، وإقامة قنوات مفتوحة بين المواطنين والدولة، وإفساح المجال أمام المواطنين لتشكيل المنظمات الطوعية، بالإضافة إلى تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني لتأتي تعبيرا عن خيارات المجتمع. كما تقتضي تكريس سيادة القانون، وتوفير الآليات الفعالة التي يمكن للمواطنين من خلالها ممارسة حقوقهم التي ينص عليها الدستور، وتمكينهم من الحصول على المعلومات والبيانات الضرورية لفهم الواقع والتأثير فيه.
ولكي ندرك عمق العلاقة بين التنمية والديموقراطية فإنه لابد أن نتطرق إلى أهمية العنصر البشري في عملية التنمية، وإلى التأثير البالغ الذي تحدثه الديموقراطية لتطوير قدرات هذا العنصر وتفعيل دوره في عملية التنمية. إذ أنّ الإنسان هو العامل الحاسم والمحرك في عملية التنمية، فبقدر ما تتاح له الفرص لتطوير القدرات الكامنة فيه، وبقدر ما تتوفر له الحوافز لتوظيف هذه الطاقات في الأوجه الصحيحة بقدر ما يتمكن من استخدام الموارد المتاحة لتحقيق تنمية حقيقية ذات أبعاد إنسانية. من هنا تأتي أهمية الديموقراطية، فهي بإفساحها في المجال أمام المواطنين للمشاركة في صنع القرار تمكّن من وضع الحاجات الإنسانية في مقدمة أولويات عملية التنمية. ولا حاجة إلى القول بأنّ تلبية هذه الحاجات من شأنها أن تعمل على تطوير قدرات المواطن وتوسيع الخيارات أمامه على نحو يساعده على تحقيق ذاته، وإطلاق طاقات الخلق والإبداع الكامنة فيه.
إنّ إدراك المواطن بأنّ فرص التقدم مفتوحة أمامه، وأنّ تقدمه مرهون بعمله دون أي اعتبار آخر، وثقته بأنّ ثمار عمله ستعود عليه، سوف يدفعه إلى السعي – دون كلل – لاكتساب المزيد من المعارف والمهارات وبذل المزيد من الجهد في العمل.
ولعلنا لا نغالي إذا قلنا: إنّ تحقيق التنمية، وضمان استدامتها، هو أمر متعذر بمعزل عن الديموقراطية. على أنّ عملية التنمية لا تتأثر بالديموقراطية فحسب، بل تؤثر فيها أيضا. فالعلاقة بين التنمية والديموقراطية ذات طبيعة جدلية، وتنطوي على تأثير متبادل، فكما أنّ الديموقراطية توفر الإطار المحفّز للتنمية، كذلك فإنّ التنمية تخلق القاعدة المادية والمناخ الملائم لتطور الديموقراطية. فالتنمية، باعتبارها توسيع للفرص، تتيح للمواطن الارتقار بمعارفه ومهاراته وتطوير قدراته، واختيار العمل الذي يجد فيه ذاته ويحقق له دخلا يكفل له حياة كريمة، وينمّي لديه الإحساس بالمسؤولية تجاهه، ويعزز اقتناعه بضرورة الاعتماد على الحوار والتواصل في التعامل مع القضايا العامة، الأمر الذي يخلق مناخا ملائما لمعالجة المشاكل الاجتماعية والسياسية بالطرق السلمية. وكلما خطت التنمية ذات البعد الإنساني شوطا في مسارها، كلما توطد الاستقرار في المجتمع وترسخت بالتالي التجربة الديموقراطية.
بيد أنه من الخطأ الاعتقاد بأنّ التنمية تقود إلى الديموقراطية بشكل آلي وحتمي، فالتنمية تفرز أثناء التنفيذ عددا من المشاكل والصعوبات يمكن أن تهدد العملية الديموقراطية ما لم تتضافر جهود المواطنين والدولة لحلها بطريقة سلمية تعتمد على الحوار والتواصل، وتنطلق من الإحساس بالمسؤولية المشتركة والإدراك بضرورة التعاون للتعامل معها.
(+) – في الأصل ورقة قُدمت في إطار المؤتمر 26 لمنتدى الفكر المعاصر حول " المجتمعات المدنية والديمقراطية والباحثون العاملون من أجل نظام مغاربي في القرن الحادي والعشرين "، بدعوة من " مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات " بتونس، في الفترة من 23 إلى 25 أكتوبر/تشرين الأول 2008.




















