لقتل أمل السوريين بالعودة إلى أراضيهم، أقر مجلس الشعب التابع لنظام الأسد قانون إدارة الأموال المنقولة وغير المنقولة المصادرة بموجب حكم قضائي مبرم واستثمارها. باتت وزارة المالية تتولى إدارة الأموال المنقولة وغير المنقولة المذكورة واستثمارها ما يعني خسارة آلاف السوريين لأملاكهم. فكيف حصل ذلك؟
مثل كل عام، يصطحب أنس الطاهر أولاده من مكان إقامتهم في مخيمات النزوح على الحدود السورية التركية، لمشاهدة أرضهم المزروعة بمحصول القمح من بعيد، في منطقة سهل الغاب غرب حماة.
يقول أنس: “منذ أربع سنوات، والألم يتجدد مع موسم حصاد القمح، ولا حيلة لنا سوى مشاهدة أرضنا، التي هجرنا النظام منها قسراً، ومنحها لقيادات ميليشياته كي يتنعموا بخيراتها، أما نحن فنتذوق الجوع والقهر في مخيمات النزوح، وها هي أرضنا أمامنا تتمايل فيها سنابل القمح قبل الحصاد، وليس لنا منها سوى المشاهدة والحسرة”.
حسرة أنس وخسارته أرضه نتيجة العملية العسكرية التي نفذتها قوات النظام وروسيا وإيران في العام 2019، وسيطرت بعدها على مناطق سهل الغاب وكفرزيتا واللطامنة وكفرنبودة شمال حماة وخان شيخون ومعرة النعمان وسراقب جنوبي إدلب، ورافقها إجبار السكان على ترك منازلهم وأراضيهم، تحت وطأة الغارات الجوية والقصف المدفعي.

للعام الخامس على التوالي، أعلن نظام الأسد من خلال ما يُعرف بـ”لجنة الاستثمار الزراعي” في 24 نيسان/ أبريل 2024، طرح أراضي السوريين المهجرين قسرياً من محافظة حماة، للاستثمار عن طريق المزادات العامة، بهدف تأجيرها لموسم واحد لمن يدفع أكثر.
في حين يقبع أصحاب الأراضي الحقيقيون في مخيمات النزوح على الحدود السورية – التركية، وسط تدهور حالتهم المعيشية، وانقطاع برامج المساعدة الأممية، وفي مقدمها برنامج الغذاء العالمي wfp.
ما هي لجنة الاستثمار الزراعي؟
يقول المحامي عبد الناصر حوشان في حديثه لـ”درج”، إن “لجنة الاستثمار الزراعي مكونة من المحافظ محمود زنبوعة، وقائد شرطة محافظة حماة اللواء حسين جمعة، وعضو قيادة فرع الحزب خالد حديد”.
ويضيف: “هذه اللجنة هي امتداد للجنة الأمنية التي أشرفت في العام 2020، على تقاسم ممتلكات النازحين من محافظة حماة، وكان يرأسها أكبر رتبة عسكرية في المحافظة ونائبه المحافظ، وعضوية كل من قائد فرع المخابرات الجوية، وقائد فرع المخابرات العسكرية، وقائد فرع الشرطة العسكرية، وقائد فرع المخابرات السياسية، وقائد فرع المخابرات الجوية، وتتبع لمكتب الأمن القومي برئاسة بشار الأسد، الذي يعتبر رئيس اللجان الأمنية في سوريا، بصفته قائد الجيش والقوات المسلحة”.
عمد نظام الأسد إلى نقل عمل اللجنة الأمنية من الشكل العسكري إلى الحكومة، بهدف صبغ عملية الاستثمار (تأجير أراضي المزارعين) بصبغة مدنية إدارية، بعد إدانات عدة طاولته، من اللجنة الدولية المستقلة الخاصة بالجمهورية العربية السورية، ومنظمات دولية عدة، منها “هيومان رايتس ووتش”، التي وصفت ما يحصل بالسياسة المعتمدة للسيطرة على الممتلكات الخاصة وأراضي السكان النازحين بسبب الحرب، وصنفت العمل “جريمة حرب”.
وكتبت “هيومان رايتس ووتش” في تقريرها المنشور في نيسان/ أبريل 2021، أن “السلطات السورية تصادر بشكل غير قانوني منازل السوريين وأراضيهم، بعد فرارهم من الهجمات العسكرية السورية- الروسية في محافظتَي إدلب وحماة، إذ شاركت ميليشيا موالية للحكومة و”الاتحاد العام للفلاحين” الذي تسيطر عليه الحكومة، في الاستيلاء على هذه الأراضي وبيعها بالمزاد العلني لمؤيدي الحكومة”.
وأكدت اللجنة الدولية المستقلة الخاصة بالجمهورية العربية السورية، في تقريرها الصادر في آذار/ مارس 2022، أن “حكومة النظام السوري مستمرة بمصادرة أراضي السكان وممتلكاتهم، التي سيطرت عليها منذ العام 2019 في محافظات دير الزور وحماة وإدلب، عن طريق المزادات التي اتخذت طابعاً رسمياً، ما يدل على سياسة حكومية ناشئة بهذا الصدد”.
وأشارت إلى أن “المحافظين يوقّعون على المزادات، وعمل اللجان الخاصة المحلية، وذلك الاستيلاء كله يأتي تحت تهمة “غير موجود أو خارج البلد أو إرهابي أو منشق عن الجيش” كون غالبية المالكين المتضررين يقيمون خارج المناطق التي تسيطر عليها حكومة النظام”.
وأوضحت أن “عدداً من المالكين المشمولين بقوائم الاستيلاء على أراضيهم، لا يجرأون على العودة إلى بلداتهم، خوفاً من إلقاء القبض عليهم”.
استند نظام الأسد إلى القانون 51 في شرعنة السيطرة والاستيلاء على أراضي النازحين، بهدف إضفاء صبغة قانونية على الاستيلاء، في حين أن القانون المذكور بحسب المحامي حوشان “يخص الأملاك العامة للدولة فقط، ويسمى قانون العقود العامة، الذي يخص عقود ملكية عائدة للحكومة أو الدولة، وهذا العقد لا يشمل الأملاك الخاصة ولا يطبق عليها”.

الشوق إلى السنابل
“أكثر من 500 كيلوغرام من القمح، ينتج الدونم المزروع في منطقة سهل الغاب، لا سيما الأراضي القريبة من مجرى العاصي”، بحسب المزارع زاهر الثلجي.
زراعة القمح في منطقة سهل الغاب، من الزراعات الاستراتيجية التي لا تحتاج إلى ري، واعتماد المزارعين يكون كله على الأمطار، ودائماً ما يكون موسم القمح ذا منفعة مادية وفيرة لجيب المزارع وللحيوانات التي يملكها، بخاصة أن كثيراً من أهالي سهل الغاب، ينتجون الأعلاف لقطعان الأبقار والأغنام من مزروعاتهم.
يقول زاهر من داخل خيمته الممزقة بفعل الرياح في مخيمات دير حسان على الحدود السورية – التركية: “كانت أيام الحصاد ترسم على وجوهنا الفرحة، وكنت طوال شهري أيار/ مايو وحزيران/ يونيو، أبقى أنا وأخوتي في أرضنا، نحصد مواسم البرسيم والقمح والشعير، وما أعظمها من لحظة، حين تنزل الحصادة في الأرض، كنا نرافقها إما سيراً وإما راكبين إلى جنب السائق، فيما ينتظر الباقون عند الجرار الزراعي لمشاهدة القمح وهو يتساقط من الحصادة”.
ويضيف: “لا ينتهي يوم الحصاد إلا بغداء، يعقبه توزيع الحلويات، هناك وسط الأراضي الزراعية، ويحضره المزارعون القريبون من الأرض، الذين بدورهم يفعلون مثلنا في أيام حصادهم، وذلك كله تحت أشعة الشمس الحارقة، التي نشعر كأنها نسيم عليل، لفرحنا بجني المحصول”.
لم يعد زاهر يصدق أنه سيعود يوماً إلى أرضه، وسترى عيناه سنابل القمح، بخاصة بعد إمعان النظام في السيطرة على الأراضي الزراعية، ومنحها لقيادات ميليشياته ليتنعموا بخيراتها جزاء ارتكابهم المجازر بحق السوريين”، منوهاً إلى أن “ذلك كله يحدث تحت نظر المجتمع الدولي، الذي بدأ يعوّم نظام الأسد من جديد، ولم يعد يتحدث أحد عن عودة المهجرين إلى أراضيهم”.
يصف زاهر حاله في الخيمة: “بعدما كان يصل ثمن محصول القمح في أرضنا إلى نحو 17 ألف دولار سنوياً، ويوفر لنا الحياة الكريمة، بتنا اليوم نعمل بالمياومة بواقع أجر دولارين في اليوم، إذا توافر عمل أصلاً، فأنا مثلاً، ليست لدي قدرة مالية على شراء دراجة نارية، بعدما كنا كل عام نشتري سيارة، أو نبني منزلاً لأحد أخوتي”.
يختم آسفاً: “أبي المسكين توفي العام الماضي، وجلّ ما كان يتمناه هو الجلوس وسط سنابل القمح في أرضه، لكنه مات كمداً وحزناً على حاله وحال أبنائه، فبعدما أمضى دهراً في منزله في منطقة سهل الغاب، انتقل للعيش في خيمة بالية يدخلها الغبار من كل اتجاه”.
- درج


























