
تسارعت خطوات ميليشيا ” قسد ” و ” الإدارة الذاتية ” فيما أسمته ” إقليم شمال وشرق سورية ” سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، مقتفية أثر الأسدية فيما تُوجَّه أو تُجبَر للقيام به تنفيذاً لاستحقاقات داخلية وعربية وإقليمية ودولية. وبذلك نرى أن التنافس بين الأسديّة والقسديّة لا يخرج عن دور وظيفيّ مرسوم، يتخادم فيه الطرفان إثباتاً للوجود وتمكينه، وشرعنته بإجراءات لا شرعية، والتفافاً على واقع رجراج، وما سيستجدّ من وقائعه.
فبعد أن أقرّت “قسد” ما أسمته “العقد الاجتماعي”، على عوره، أواخر 2023 وبلا استفتاء، علماً أن أغلب الكرد عارضه وأكثر العرب رفضه، وتلاه تقسيم منطقة شمال وشرق سورية إدارياً بتعسّفٍ يهدف القبض على زمام الأمور والتحكّم أكثر بالحجر والبشر، وإثارة صراعات إثنية ودينية لا يمكن السيطرة عليها لاحقاً، وصلت للخطوة التالية في عزمها القيام بانتخابات بلدية في المنطقة التي تحتلّها، لفرض أمر واقع جديد في سورية؛ سعياً لتعزيز سيطرتها على المنطقة وقوننته، وبذات الوقت تروّج لبضاعتها حول ” ديمقراطية الشعوب ” في وسط يرفضها، ويعاني من قهرها، بينما تعمل بمختلف الوسائل على ربطه بها تابعاً ومشرعِناً في آن، وهو ما سيُنتج ارتهان أغلب ذلك الوسط ودوام سيطرة مشروعها. إنها تقتنص فرصة نادرة في الوضع السوري، ولا تغيب ملاحظة الاتّساق والتنسيق في الحركات الأسدية والقسدية، وربما سنجد من يمثّل قسد في ” الحوار الوطني ” المشروط الذي يزمع النظام الدعوة له، أو تجد في قسد ممثلاً للنظام في محافل عدّة، فكلاهما يجهد لتجميل سحنته بإصلاحات وقرارات وقوانين وتغييرات وانتخابات سبقها اجتماع للعشائر! وذلك في وقت يستمرّ فيه حراك السويداء والجنوب والشمال الغربي وبعد انتفاضة عشائر دير الزور، وفي ظلّ تعثّر الحراك العربي في تأهيل النظام بعد حملة إعادة تدويره، إذ لم يقم بالخطوات المطلوبة لتعويمه( الحدّ من التغوّل الإيرانيّ وتهريب الكبتاغون وتنفيذ 2254)، بالإضافة لتعمّق التدخلات الدولية وتناقضاتها وتداخل ملفاتها وانعكاس ذلك على القضية السورية تجميداً وتعفيناً حتى إشعار آخر.
ولكن الرياح هبّت بما لا تشتهي أشرعة ” الإدارة الذاتية “، فتداركت المخاطر بإعلانها تأجيل انتخاباتها، وأقرّت ضمناً بالعجز، إذ لن تنفع المبررات ولن تقنع المسوّغات! فقد تاهت ” قسد ” في قراءة المتغيّرات حولها، وهُيّئ لها أنها تستثمر في المتناقضات، فعلى الرغم من التقارب التركي العراقي وتحشيد القوات لمطاردة حزب العمال الكردستاني في الشمال العراقي، ثمة احتمالات انسحاب أمريكي سريع، إن فاز ترامب، وهو ما يستدعي سرعة العمل على شرعنة وجودها أمراً واقعاً لملاقاة استحقاقات تمكّنها من استغلال ظرف انشغال أطراف الصراع الفاعلة بحرب أوكرانيا، ومعارضتهم لأي عمل عسكري ضد قسد، واستثمار التناقض بين تركيا المشغولة بحربها المزمعة شمال العراق، وبين نظام الأسد الذي أراد التربّح من الخطوة، وربما دفع قسداً إليها، استفزازاً لتركيا من جهة، وجذباً لقسد مدّعياً حمايتها من جهة أخرى، وتكسّباً لحصّة أكبر من استثمارات التمكين والتعافي المبكر بعد مؤتمر بروكسل 8، واستعداداً لتكون طرفاً وازناً في أي مشروع يمكن حياكته لمستقبل سورية؛ لاقتناعها بقرب نهاية التعاقد معها من أكثر من طرف ( أمريكا والنظام وإيران و…)؛ لأن الحلّ السوري لا يُجزّأ، ولن يقبل السوريون بجوائز ترضية لمن طعن ثورتهم، ويعمل على تفتيت وطنهم، وأخيراً اختباراً لما ستكون عليه الوقائع، وكيف تثمّرها في مصلحتها؟ ولكن الغضب التركي قد يترجم عملية عسكرية لحظة الشروع بالانتخابات، التي أُجّلت، وسيكون شمال سورية مسرحاً إضافياً لشمال العراق، وهو ما صعّد نبرة لوم الأمريكان لحلفائهم على افتقاد الشفافية للعملية الانتخابية وديمقراطيتها ونزاهتها، فتنصّلوا بعد الضوء الأخضر – وبمشاركة بريطانيا وفرنسا – للقيام بهذه الخطوة، وسرعان ما تحوّل الضوء أحمراً بعد الموقف التركي، الذي لن يتراجع عن عمليته العسكرية؛ لإمساكه خيوط اللعبة، إذ أجّلت قسد الانتخابات، ولم تُلغِها، وانتقدت أمريكا قيام الانتخابات، ولم تُقرّ بلا شرعيّتها.
لقد توهّمت قسد – الإدارة الذاتية ابتداعها نموذجاً يمكن أن يحاكيه السوريون، فتدّعي ازدهار ورخاء وأمان مناطق إدارتها قياساً لأخرى من مناطق سلطات الأمر الواقع، بينما – كالجميع – تحكم وتتحكّم بالقوة والفساد والقهر، وتطفو المظاهر الخادعة على حساب معاناة السوريين وعوزهم وضنك عيشهم، الذي تتسبّب به سلطات الأمر الواقع بنهبها واستغلالها السوريين وشقائهم، وتدير الظهر لحاجات المجتمعات المحلية التي تحتلّها، فيما تعمل على تعميق.واستدامة الواقع الراهن بانتظار الحلّ السياسي، فتجهد سلطات الأمر الواقع جميعها لتأجيله أو تأخيره وتعقيد الوصول إليه، بعقود اجتماعية هلاميّة، وإدارات فاشلة لدولة-كانتون متخيّلة، وادّعاء ديمقراطية زائفة، واصطناع انتخابات مشفّرة محمّلة برسائل ملغومة مما تقتضيه المرحلة، وأولها تصعيد الروح الانفصالية، إثنية أو طائفية، وثانيها الارتباط بمشاريع لا وطنية، وآخرها تقسيم سورية.
ولا يخفى أن التخادم والتكاذب بين النظام وصنيعته قسد، يتجلّى أكثر كلما ضاقت الأحوال، أو ازداد الضغط على أحدهما، لمتغيّرات سياسية أو عسكرية، فيلوذ برعاته وحلفائه، وهو ما يؤكّد أن نصر القضية السورية يكمن تجميع الجهود في العمل لوحدة سورية أرضاً وشعباً، وفضح المشاريع الأسدية والقسدية ومآلاتها، والتمسّك بقرارات الشرعية الدولية وفي مقدّمتها القرار 2254، فكل مَن يقف مع وحدة سورية وحريّتها وتحرّرها، لا يمكن إلا أن يكون على النقيض من مشروعَي الأسدية في ( سورية المفيدة)، والقسدية في ( الإدارة الذاتية ).
- كاتب سوري


























