ليل الـ30 من حزيران (يونيو) الجاري، موعد انتهاء الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية، سوف يتضح ما إذا كان الناخبون من يهود فرنسا قد اختاروا التصويت للطاعون أم للكوليرا؛ حسب التوصيف الذي بات شائعاً لدى العديد من المعلقين اليهود، في فرنسا ودولة الاحتلال والولايات المتحدة ومواقع أخرى، لتوصيف الخيار بين اليمين المتطرف (ممثلاً في «التجمع الوطني» حزب جان ـ ماري الأب ومارين لوبين الابنة) أو اليسار (كما باتت تمثله «الجبهة الشعبية الجديدة» التي تضمّ ائتلاف أحزاب اليسار).
وثنائية الطاعون والكوليرا تنطوي على توافق (يهودي، دائماً) بأنّ «التجمع الوطني» هو الحزب اليميني المتطرف الذي سبق أن أنكر المحرقة، وسيق مؤسسه جان ـ ماري لوبين الأب إلى القضاء بسبب الإنكار، والإعراب عن مواقف معادية للسامية على نحو صريح، واعتبار الهولوكوست «محض تفصيل» في الحرب العالمية الثانية، والتعاون على نحو أو آخر مع الاحتلال النازي. وثمة كُثر بين مرشحيه للانتخابات المقبلة لا ينكرون تشكيكهم في أرقام ضحايا الهولوكوست من اليهود، وثمة تراث عريق قديم من كراهية الآخر غير الفرنسي وغير المسيحي عموماً، والمسلمين واليهود خصوصاً. فكيف ليهودي فرنسي أن يصوّت لصالح حزب كهذا، يقول التساؤل المبنيّ على منطق عقلي بسيط، أو حتى تبسيطي؟
الجواب لا يقلّ بساطة وتبسيطاً، وخيانة للمنطق العقلي: لأنّ أحد أبرز أحزاب ائتلاف اليسار، حزب «فرنسا الأبيّة» يقف مع شعب غزّة ضدّ جرائم الحرب الإسرائيلية الراهنة، ولا يتورع عن استخدام مفردة «الإبادة» في تشخيص حصار أهل القطاع، وتجويعهم وقطع الطعام والماء والدواء عنهم، وقصف المشافي والملاجئ والمدارس. المعادلة تصبح هكذا، استطراداً: إذا كان «التجمع الوطني» هو الطاعون، فإنّ «فرنسا الأبية» ومعها سائر أحزاب اليسار الداخلة في ائتلاف موحد هي الكوليرا. ولأنّ من غير الموضوعي استباق نتائج الانتخابات والجزم بأنّ غالبية، ساحقة أو متوسطة أو ضئيلة، سوف تفضّل الطاعون على الكوليرا، أو العكس؛ فإنّ من المشروع، في المقابل، استقراء ما يقوله بعض أبرز أقطاب يهود فرنسا.
وللمرء أن يبدأ من المحامي سيرج كلارسفيلد، 88 سنة، الملقّب بـ«صيّاد النازيين» ويزعم أنّ «حياته بأسرها تمحورت حول الدفاع عن الذاكرة اليهودية، واليهودي المضطهَد، ومساندة إسرائيل»؛ الذي أعلن، بالفم الملآن كما يصحّ القول، أنه سوف يختار «التجمع الوطني» وليس اليسار. لماذا؟ لأنّ حزب «فرنسا الأبية» هو الأكبر داخل الائتلاف اليساري، وهذا حزب «معاد للسامية وينتقد الصهيونية ويعادي إسرائيل» دفعة واحدة. وهذا «الصياد» لم يرفّ له جفن، أو يراجع تصريحاته، بعد أن اضطر حزب مارين لوبين إلى رفع التغطية عن اثنين من مرشحيه، لأنهما أفرطا في إعلان العداء للسامية على مواقع التواصل الاجتماعي.
أحد أبرز أحزاب ائتلاف اليسار، حزب «فرنسا الأبيّة» يقف مع شعب غزّة ضدّ جرائم الحرب الإسرائيلية الراهنة، ولا يتورع عن استخدام مفردة «الإبادة» في تشخيص حصار أهل القطاع، وتجويعهم وقطع الطعام والماء والدواء عنهم، وقصف المشافي والملاجئ والمدارس
ثلاثة آخرون من يهود فرنسا، الفيلسوف ميشيل كوهين ـ حليمي والكاتب فرنسيس كوهين والممثل ليوبولد فون فيرشور، راعهم هذا الموقف من كلارسفيلد، فكتبوا مقالاً مشتركاً في صحيفة «لوموند» الفرنسية اتهموا فيه كلارسفيلد بـ«تقصير دارة التاريخ» من أجل عكس مسارات التاريخ؛ فطرحوا الأسئلة التالية: «هل يكفي أن يتوقف ‘التجمع الوطني’ عن التصريح بأنه غير معادٍ للسامية، كي يكون هكذا بالفعل؟ وأيّ مصداقية يسبغها كلارسفيلد على سحر كلامي فائق للعادة؟ وهل تكفي مهارةٌ تكتيكية وبلاغية لطمس تاريخ حزبٍ ما وإيديولوجيته التأسيسية؟». وهل يصحّ، حتى من باب الإحسان إلى كلارسفيلد، يتابع الثلاثة؛ أنه «يُسْلم نفسه طواعية لسذاجة كارثية، حين لا يستطيع تجاهل أية ذاكرة، وأيّ عمل حول الذاكرة، ارتبطا باسمه؟ هل قرر بالتالي، بحصانة ذاتية، ولوحده، توريط هذه الذاكرة في الاصطفاف خلف ‘التجمع الوطني’؟».
ليس هذا رأي «فيلسوف» فرنسي يهودي آخر هو ألن فنكلكروت، استحق على الدوام صفة لاعب الأكروبات الرديء، خاصة في ميادين التفلسف دفاعاً عن دولة الاحتلال الإسرائيلي ورفع فزاعة العداء للسامية ذات اليمين وذات اليسار؛ إذْ أعلن أنه سوف يصوّت لحزب لوبين اليميني المتطرف، وذلك لقطع الطريق أمام حزب «فرنسا الأبية» الذي «أقام حملته خلال الانتخابات الأوروبية على كراهية إسرائيل والصهاينة». و«بقلب يتفطر» مثل غالبية يهود فرنسا حسب تعبيره: «لم أتخيل أبداً أنني ذات يوم سوف أصوّت لصالح ‘التجمع الوطني’ من أجل سدّ الطريق أمام العداء للسامية». وكي لا تبقى ظلال للشكّ في خياره هذا، أعلن «الفيلسوف» أنّ حزب مارين لوبين «لم يعد فاشياً» وليس قادته من صنف «الأبالسة العائدين».
وللمرء أن يذهب إلى «المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا» أو الـ Crif كما يُعرف اختصاراً، حيث اختارت كبرى المنظمات اليهودية على الأرض الفرنسية أن «تصوّت للقِيَم الجمهورية»؛ وهذا تعبير غائم مراوغ، لأنّ المعركة الفعلية ليست بين «الحزب الجمهوري» الذي تفكك مع انحياز رئيسه إريك سيوتي إلى «التجمع الوطني»؛ وليست، كذلك، مع حزب الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون، الذي هبط إلى حضيض إضافي في أعقاب الانتخابات الأوروبية الأخيرة. هي، بوضوح لم يعد بعده من وضوح، معركة بين اليمين المتطرف وجبهة اليسار؛ وبالتالي فإنّ دعوة الـCrif، ومثلها دعوة مماثلة من «اتحاد الطلاب اليهود في فرنسا» لن تخدم في نهاية المطاف سوى حزب لوبين.
وكان روجيه كوكيرمان، الرئيس الأسبق للـCrif، صاحب نظرية تتوخى انتفاء أيّ أفق للسلام مع الفلسطينيين، وتقول التالي: «قد نرغب في رسم الذئب بألوان وردية، لكنه يظلّ ذئباً» في تلميح إلى «ذئب» تلك الأيام الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. كذلك تضمنت النظرية شطراً فرنسياً، هو يقين كوكيرمان بوجود «تحالف بُنّي/ أحمر/ أخضر» ليس له من شأن آخر سوى استهداف الصهيونية وممارسة العداء للسامية؛ وكان يعني أحزاب اليمين واليسار والخضر. وفي قناعة كوكيرمان بات العداء للصهيونية هو المنطلق المفضّل لنزعة العداء للسامية، هذه التي تتجسد في تحالف يضمّ «اليمين المتطرّف الذي يحنّ إلى الهرمية العنصرية» واليسار المتطرّف «المعادي للعولمة، المعادي للرأسمالية، المعادي لأمريكا، والمعادي للصهيونية».
وذات يوم غير بعيد، خلال واحد من حفلات العشاء السنوية التي يقيمها مجلس الـCrif نفسه، اقترح الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي إلزام كلّ طفل حيّ بإحياء ذكرى طفل قضى في الهولوكوست، على نحو أقرب إلى تقمّص الحيّ للميت. وبين الحضور كانت السيدة سيمون فاي، الناجية من المعسكرات النازية والتي اعتبرها الكثيرون أيقونة حيّة ترمز إلى الهولوكوست، وربما إلى معظم عذابات اليهود الفرنسيين، فضلاً عن كونها وزيرة سابقة في أكثر من حكومة، وصاحبة القانون الشهير الذي يجيز الإجهاض. «للوهلة الأولى تجمّد الدم في عروقي» هكذا وصفت فاي ردّ فعلها الغريزي حين استمعت إلى اقتراح ساركوزي، قبل أن تضيف إنّ الاقتراح «لا يُحتمل، دراماتيكي، وغير عادل في المقام الأول (…) لا نستطيع أن نلقي بهذا العبء على كاهل أطفال صغار في سنّ العاشرة. هذه الذاكرة أثقل من أن يحملها أحد».
ولأنّ حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ قطاع غزّة، وسائر فلسطين، تجثم مثل صخرة ثقيلة في قلب صناديق اقتراع الفرنسيين، يومَي 30 حزيران (يونيو) الجاري و7 تموز (يوليو) المقبل؛ فإنّ ذاكرة يهود فرنسيين أمثال كلارسفيلد وفنكلكروت لا تتشابه، حتى في العذاب الإنساني، مع ذاكرة مواطنيهم في الجنسية والديانة أمثال كوهين ـ حليمي وكوهين وفون فيرشور. فكيف والصخرة الجاثمة ملطخة بدماء أكثر 38 ألف ضحية، من أطفال ونساء وشيوخ فلسطين!
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
- القدس العربي

























