نبدأ أولا مع الأخبار السيئة: ثمة مزيد من الأدلة تشير الى ضعف فرص التوصل الى سلام إسرائيلي ـ فلسطيني في المستقبل القريب. الدليل الأول وفره عامي أيالون وسرِّي نسيبه. فوثيقة التفاهمات التي صاغها الرجلان في العام 2002، هي وثيقة مثيرة للاهتمام تتحدث بشكل واضح وحاسم عن الحل القائم على اساس دولتين قوميتين. والمبادئ الستة في الوثيقة تقترح اختراقاً تاريخياً: انهاء الاحتلال وتطبيق حق تقرير المصير للفلسطينيين مقابل تنازل الفلسطينيين عن حق العودة.
بيد أن نسيبه تراجع عن التفاهم في الأشهر الأخيرة، وأدار ظهره لحل الدولتين. بدوره تعرض أيالون لعدد من الأمور غير الجيدة. ونتيجة لذلك انهارت مبادرتهما التي منحت أملا لكثير من الإسرائيليين، والتي اثارت اهتمام الأسرة الدولية. فالمحاولة الجريئة لإنهاء النزاع عبر الاتفاق لم يُكتب لها النجاح.
الدليل الثاني الذي يشير الى أن السلام مع الفلسطينيين بعيد، وفرته المبادرة العربية. فالفكرة الاستراتيجية التي تقف خلف المبادرة صحيحة: منح غطاء عربي شامل للتسوية الإسرائيلية ـ الفلسطينية. لكن صياغة المبادرة مستحيلة. فهي تتحدث عن "ايجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين والذي سيُتفق عليه وفقا للقرار 194 الصادر عن الهيئة العامة للأمم المتحدة". والقرار 194 يمنح كل فلسطيني حق العودة الى البيت الذي تركه في العام 1948. لذلك تقترح المبادرة العربية في واقع الأمر طريقاً متفقاً عليها، عادلة وهادئة لتذويب الدولة اليهودية. فالمبادرة تتمتع بعلاقات عامة ممتازة، لكنها لا تقترح حلا يقوم على أساس دولتين لشعبين، بل دولتين لشعب واحد ـ الشعب الفلسطيني.
الدليل الثالث والحاسم الذي يشير الى أنه لا توجد فرصة امام السلام الآن مع الفلسطينيين، وفره ايهود أولمرت تحديداً. فالتأثر جراء التصريحات المعتدلة الجريئة التي أطلقها رئيس الحكومة المستقيل في الآونة الأخيرة، حال دون حصول نقاش معمق حول مغزاها. وهذا هو مغزاها: في السنة الماضية اقترحت القيادة الإسرائيلية على القيادة الفلسطينية العودة الى حدود 1967، تقسيم القدس وحتى استيعاب لاجئين. فإذا كانت محاولة السلام التي قام بها ايهود باراك في العام 2000 تعاني من الخلل، فإن محاولة السلام التي قام بها ايهود أولمرت في العام 2008 كانت مكتملة. فهذه المرة لم يُمثل اسرائيل رجل أمني ضبابي، بل رجل سلام ناصع البياض ذو مواقف تتطابق مع مواقف يوسي بيلين.
ومع ذلك، فشلت عملية أولمرت ـ أبو مازن. وعلى الرغم من أن إسرائيل سارت كل الطريق، فلم تجد في نهايتها شريكاً فلسطينياً. المفارقة تكمن تحديدا في أن رئيس الحكومة الذي تبنى وجهة نظر تفاهمات جنيف، هو من يدمر وجهة النظر هذه. فالإرث الحقيقي الذي يتركه أولمرت وراءه هو الدليل الراسخ على أنه لا توجد اليوم قيادة فلسطينية مستعدة لدفع الثمن الايديولوجي والسياسي المطلوب لصنع السلام القائم على أساس الدولتين.
مشكلة الاحتلال بقيت مشكلة وجودية واخلاقية تتطلب حلاً شاملاً وواقعياً. ولكن خاب أمل من اعتقد أنه يمكنهم التصدي لها بواسطة اتفاق سياسي فوري مع السلطة الفلسطينية. فالعبرة المتراكمة من أوسلو، كامب ديفيد، طابا، جنيف، وثيقة أيالون ـ نسيبه، المبادرة العربية وأولمرت ـ أبو مازن، هي أن طريق بيلين استنفدت نفسها ووصلت الى طريق مسدود.
الى هنا كانت الأخبار السيئة. والآن الأخبار الجيدة: ثمة مزيد من الأدلة تشير الى تزايد فرص التوصل الى سلام إسرائيلي ـ سوري. فكبار قادة الاستخبارات، الجيش وكبار السياسيين من كل التيارات السياسية، يشتركون اليوم في التقدير الذي يفيد أن بشار الأسد يريد فعلاً تجاوز الخطوط والانضمام الى الغرب. فالوضع الاقتصادي لسوربا بالغ السوء.
الأزمة الاقتصادية العالمية أضعفت القوتين اللتين تحركان المواجهة والتي تسند اليهما سوريا: ايران وروسيا.
لذلك، إذا بادرت الإدارة الجديدة في واشنطن والحكومة الجديدة في القدس الى عمل ما، فمن المعقول أن يكون في مقدورهما إحداث تحول في دمشق.
بيد أنه بغية فعل ذلك ينبغي العمل بشكل مدروس واقتراح دمج صحيح بين الجزرة والعصا على السوريين. وبغية فعل ذلك يتعين التأكد من أن سوريا تنفصل عن ايران وعن نجاد، ومكافأتها بدفع سخي في الجولان ولبنان.
الاستراتيجيا الصحيحة لانهاء الاحتلال طويلة المدى. وهي توجب حصول تحول فلسطيني عميق وهو ما لم يحصل بعد. في مقابل ذلك، الاتفاق الدائم مع الأسد موجود في متناول اليد كما يبدو. لذلك فإن أمر الساعة يقضي بعدم تضييع الطاقة والكلام على عملية أنابوليس العقيمة، والتركيز على القناة السورية. ممنوع على الولايات المتحدة وإسرائيل السماح للسلام الوهمي في الشرق بالوقوف في طريق السلام الحقيقي في الشمال.
("هآرتس" ـ 27/11/2008)
ترجمة: عباس اسماعيل




















