مراجعة: عفيف عثمان
من معاينة ميدانية لحال العنف الذي ساد الكرة الأرضية في نهاية الألفية الثانية ولا سيََما في أوروبا الشرقية وأفريقيا والبلقان وما وراء القفقاس، لاحظت ماري كالدور، وجود نمط تطلق عليه"الحروب الجديدة" ويصفها بعض الباحثين بأنها حروب مخصصة أو حروب غير رسمية وحتى حرب"ما بعد الحداثة" لتمييزها عن الحروب الكلاسيكية. وهي تجري في مناخ يتسم بثورات في الشؤون العسكرية وبتأثر العلاقات الإجتماعية بها وبتشابك المحلي مع الدولي بواقع العولمة الشديدة واتي كان من تبعاتها تآكل الدولة وتآكل القدرة على"احتكار وسائل العنف الشرعي المنظم". والمثال الواضح"المعياري" للحرب الجديدة هي "حرب البوسنة والهرسك" التي حصلت في إطار سياسة الهوية والتي تسمها الباحثة بأنها إقصائية أي تنزع الى التفتيت، بخلاف المشاريع القومية التي حملت عناوين تحررية لبناء الأمة.
الحرب تبعاً لنظرية كلاوفيتز"نشاط إجتماعي" ينطوي على تنظيم الرجال وتعبئتهم، وهي كظاهرة ارتبطت بنشوء الدولة الحديثة وتطورها بوصفها الحائز الشرعي للعنف بدءاً من القرن الثامن عشر وفق قواعد محددة تحوز صفة شرعية. وبالتوازي مع إعادة تعريف الحرب"حرباً بين دول" جرى بسط السلام الداخلي واعتمدت العلاقات النقدية كالأجور والريوع بدلاً من أشكال القهر الظاهرة والمباشرة. وقد اتسمت الحروب في القرن العشرين بطابعها الكلي، ما استلزم تعبئة شاملة للقتال وتقديم ما يسوَغ التضحية بالأرواح في الجانبين. ويذهب غابرييل كولكو في"قرن من الحرب" الى أن الحروب تبدأ بها دائماً حفنة من الرجال يعانون من"العمه المرضي عنه إجتماعياً". وقد بدأت نذر الحرب الجديدة تعلن عن نفسها في النصف الثاني من القرن المنصرم من خلال حرب العصابات التي وفرت وسائل مستحدثة في تنظيم العنف إجتماعياً.
تقدًر الباحثة أن حرب البوسنة التي استمرت من 6 نيسان حتى 12 تشرين الاول 1995 المثال النموذجي الأول لنمط الحرب الجديدة في تسعينات القرن العشرين رغم وجود حروب أخرى في العالم. وهي ترفض تفسير الحرب بالذرائع القومية التي استيقظت وأرادت كل واحدة تحقيق دولتها، وترى أن القومية قد أعيد إنشاؤها لغايات سياسية في ما يشبه التصور"الأداتي" للقومية. فما حصل هو إنهيار الدولة اليوغسلافية وتناطح النخب للتحكم ببقاياها، ويجب رد الإنشطار القومي الى تاريخ يوغسلافيا الحديث المركزي والتسلطي بزعامة تيتو، اذ ساد مع وجود ست جمهوريات في كل منها أكثرية قومية " لا مركزية توتاليتارية".
وبالتالي، كانت الهويات الطائفية القومية هي المرشحة الظاهرة لملء الفراغ الناشىء عن اضمحلال الإنتماء اليوغسلافي، الى الأزمة الإقتصادية التي ضربت الجمهوريات وجعلت الخطاب القومي يستنهض ضحايا التدهور الإقتصادي ويتستر على التحالف المتنامي بين النخب الحاكمة والمافيا. وكانت يوغسلافيا قد تفككت كمجال إعلامي واحد حين امتلكت كل جمهورية اذاعتها وتلفزيونها الخاصين. وبحلول تسعينات القرن العشرين كانت الشرعية الفدرالية قد تقلصت على مستوى التشريع والقضاء. وأزيلت آخر معالم الدولة اليوغسلافية في العام 1991، يوم انهار احتكار العنف المنظم، اذ كان الجيش "معقل النزعة اليوغسلافية". وتزامن تفكك الأتحاد مع بروز شكل جديد من القومية يفتقد الى الرؤية الحداثوية، يستعمل وسائل الإعلام الألكترونية لنشر رسالته القومية. وتجسد هذا الجديد"القومي" في البوسنة التي كانت لم تزل مجتمعاً مختلطاً وتحمل أوصافاً متناقضة: فهي أرض التسامح والتعايش وبلد الخوف والحقد. ويفسر أحد الباحثين حجم العنف لا باعتباره نتيجة من نتائج "الخوف والحقد"، بل باعتباره انعكاساً لصعوبة إعادة تركيبه، وقد عبر ليبرالي مستقل عن رأيه بالقول:" كان لا بد للحرب أن تكون دموية الى هذا الحد لأن الصلات بيننا قوية جداً". وبحسب مجرى الأحداث فإن الباحثة تعيد التوكيد على نشوء النزعة القومية في سياق الحاضر.
والحال، خيضت الحرب بتشكيلات عسكرية نظامية وغير نظامية مثل الميليشيات وجماعات المرتزقة الأجانب والشرطة المحلية، يضاف اليها المسلحون المدنيون. وقد أحصت بعثة خبراء الأمم المتحدة ثلاثاً وثمانين مجموعة شبه عسكرية على أراضي يوغسلافيا السابقة: حوالي ست وخمسين صربية وثلاث عشرة كرواتية وأربع عشرة بوسنية. والإستراتيجية التي اعتمدت كانت تحقيق المكاسب في الأراضي عبر السيطرة السياسية بدلاً من الهجوم العسكري، اذ استخدم العنف للسيطرة على السكان. والحرب في جوهرها كانت موجهة ضد المدنيين في ما حمل اسم"التطهير العرقي". وتقول كالدور أن دوافع المجموعات شبه العسكرية كانت إقتصادية الى حد بعيد، وتشير الباحثة الى الجدة في طبيعة التدخل الدولي بشقيه: السياسي الديبلوماسي والإنساني.
ان نوع مقاربة الحرب بالنسبة للباحثة عظيم الأهمية لأنه يحدد الأولويات. فعند الأوروبيين كانت الأولوية لوقف القتال، بينما لو أدركت الحرب منذ البداية في وصفها"إبادة جماعية" لأتت حماية السكان المدنيين في الصدارة. وبعد اتفاق دايتون، يبدو الخيار في البوسنة اليوم بين العمل الإنساني الأمبريالي والنزعة القومية المتطرفة التي سادت. وتميل كالدور الى المقاربة الأنسانية ودعم المجتمع المدني وترقية السياسة الديمقراطية، وتأمل أن يستفيد الأوروبيون من أخطائهم.
والحال، تستخدم كالدور"سياسة الهوية" للدلالة على الحركات التي تعبىء جمهورها حول هوية أثنية أو عرقية أو دينية في سبيل المطالبة بسلطة الدولة. وتعدها شكلاً من التعبئة السياسية يأخذ سمة"النزعة القومية"، كما ترتبط أيضاً بالقلق من العولمة وآثارها. ولا يبدو في نظر الباحثة أن هناك تنازعاً بينها وبين النزعة الكوزموبوليتية بمعنى تمجيد التنوع في الهويات العالمية
[ الكتاب: الحروب الجديدة والحروب القديمة
(تنظيم العنف في حقبة الكونية)
[ الكاتب: ماري كالدور
[ الناشر: دراسات عراقية، بيروت- بغداد، 2009.
المستقبل




















