أشار التقرير السنوي لعام 2009، الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية مؤخراً، إلى أن أغلب البلدان العربية احتلّت مراتب متأخرة في مستوى محاربة الفساد وانتشاره، حيث جاءت تونس في المرتبة (65) والمغرب (89) والجزائر (111) ومصر (111مكرر)، وسوريا (126 ) واليمن (154) والعراق (176) والسودان (176مكرر) والصومال (180).
ويظهر التقرير أن النزاعات والحروب وحالة اللا استقرار تعيق بشكل جدي الجهود المبذولة لمكافحة الفساد، وتساعد على انتشاره. إضافة إلى عوامل أخرى، مثل انعدام الشفافية وغياب الديموقراطية، والاستناد إلى شبكة تملك القوة والسيطرة، وتعمل على تعميم الفساد، ليصبح ظاهرة، تنتشر بشكل عامودي وأفقي.
ويعتبر الفساد ظاهرة قديمة، ارتبط وجودها بوجود النظم السياسية والدول، لذلك فهو لا يختص بشعب معين ولا بدولة معينة أو بثقافة دون غيرها من الثقافات. لكن حجم الفساد ودرجة انتشاره اليوم يختلفان من دولة إلى أخرى، فهناك فرق كبير في أن يكون الفساد استثناء في مفاصل الدولة ونظامها السياسي وفي أن يكون بنيوياً، بحيث ينتج النظام نفسه آليات الفساد والإفساد في قطاعات الدولة والمجتمع.
وبشكل عام يمكن القول إن الأنظمة السياسية، الشمولية والاستبدادية، تشكل تربة خصبة لنمو ظاهرة الفساد ولتغلغله في مختلف تفاصيل الحياة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيما يتناقص ذلك في ظل الأنظمة الديموقراطية التي تنهض على أسس من الشفافية تسمح بالمحاسبة والمساءلة أمام القانون الذي يحترم من طرف الجميع.
وإذا كان الفساد ظاهرة تستشري في الدول الغنية والدول الفقيرة كذلك، إلا أن مستويات انتشاره أعلى في الدول الفقيرة، ويهدد التنمية والتقدم في البلاد التي تعاني منه. كما أنه يعد أكبر مسبب للفقر، بحيث يمكن القول بأن الفساد والفقر يغذي أحدهما الآخر في حلقة محكمة يصعب الفكاك منها، لذلك فإن ازدياد حجم الفقر في العالم مرتبط بالنتائج المتفاقمة لظاهرة الفساد، إذ تبيّن الأبحاث والدراسات أن فرص ازدهار الاستثمار في الدول التي يستشري فيها الفساد هي أقل نسبة من تلك التي تخلو من تفشيه، فالدول التي تسجل مستويات أقل بخصوص الفساد ستحصل بصورة تلقائية على معدل مرتفع للنمو وستتمكن بالتالي من تحقيق معدل دخل فردي أعلى.
وكثيرة هي الممارسات التي تدخل في باب الفساد، لكن أخطرها هو إساءة استخدام السلطة، حينما يتحكم الزعماء السياسيون أو كبار الموظفين والإداريين، في المال العام، ويجعلون البلد مصدراً لنهب ومراكمة ثرواتهم الخاصة، وحين تُتخذ القرارات الاقتصادية وفق مصالح مجموعة من المافيات المكونة من أفراد السلطة السياسية وأزلامها. ففي البلدان العربية ذات النظم الشمولية تتخذ القرارات الاقتصادية والتجارية لصالح ما بت يعرف بالأغنياء الجدد ورجال الأعمال مقابل الحصول على منافع خاصة، قد تصل إلى 20% من قيمة صفقة أو مقاولة تقدر بعدة ملايين من الدولارات، من دون أي اهتمام بعواقب ذلك على اقتصاد البلد. ولا شك في أن صفقات من هذا النوع تُمرّر ـ عادة ـ في ظل وجود خلل كبير في آليات صناعة القرارات، وفي ظل غياب الرقابة أو المساءلة أو المحاسبة.
ويلبس الفساد عباءات مختلفة، على المستوى العالمي، ويتداخل مع نشاطات بعض الأحزاب السياسية والمنظمات الإنسانية وبرامج المساعدات وصفقات السلاح وتجارة المخدرات، وسوى ذلك كثير. ويترافق مع الافتقار إلى المحاسبة والشفافية في البلدان التي ينتشر فيها الفساد بشكل كبير، الأمر الذي يمكن أن يكون له أثر مدمر على تقدم الاقتصاد. لكن الملفت في الأمر أن تقرير منظمة الشفافية لهذا العام كشف النقاب عن عدم حدوث تغييرات على قائمة الدول من حيث تفشي الفساد فيها مقارنة مع تقرير العام الماضي.
وتستدعي عملية مكافحة الفساد تحديد مفهومه بشكل واضح، وتبيان أسباب انتشاره في المجتمع، بغية إبراز صوره وأشكاله، والآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليه، وطرق مكافحته. كما تستدعي بناء رأي عام مناهض له، وتشييد إرادة سياسية لمواجهته، ووضع استراتيجيات تتناسب وطبيعة كل مجتمع. ذلك أن الفساد ينتعش بشكل عام في ظل أوضاع سياسية معينة، كونه يرتبط بمصالح سياسية داخلية وإقليمية أو دولية، وتسهم الجريمة المنظمة فيه، في حالات عديدة.
أما الحديث عن محاربة الفساد والإصلاح الإداري والمالي والاقتصادي فلا جدوى منه إن لم يتلازم مع خطوات عملية وتطبيقية تخفف من وطأة الفساد على المستوى السياسي. وتعتبر الشفافية، التي تترجم بقوانين حرية الوصول إلى المعلومات ونشر التقارير الدورية، حجر الأساس لتمكين المواطنين ووسائل الإعلام من محاسبة الإدارة والمسؤولين عن ممارستهم للمهام الموكلة إليهم.
المستقبل




















