وصل الرئيس الاميركي باراك اوباما الى سدّة الرئاسة وقد حاز على شعبية في الداخل قلَّ نظيرها بين الرؤساء الأميركيين السابقين. اما في الخارج، وخاصة في أوروبا، فان شعبية أوّل رئيس اسود في تاريخ أميركا وزوجته ميشيل، وصلت الى مستويات ضاهت تلك التي كان وصل اليها جون كنيدي – أوّل (وآخر) رئيس اميركي كاثوليكي – وزوجته جاكلين.
عندما تسلم أوباما سدَّة الرئاسة في ٢٠ كانون الثاني ٢٠٠٩، بلغ مؤشر شعبيته ٧٨ في المئة بحسب استطلاعات غالوب، وكانت هذه النسبة الأعلى بين رؤساء الولايات المتحدة في تاريخ هذا المؤشر. وبعد تسعة اشهر انخفضت الى ٥۳ في المئة وهي النسبة الاقل بين رؤساء الولايات المتحدة بعد تسعة اشهر من تسلمهم الحكم (وتابعت إنحدارها لتصل إلى ٤٩ في المئة في آخر تشرين الثاني حسب "غالوب" أيضاً). هذا الانخفاض السريع لم يسبق له مثيل في تاريخ الرئاسات الاولى في هذا البلد.
وتظهر دراميته بشكل واضح إذا ما اخذنا في الاعتبارالاميركيين البيض فقط. فبالنسبة لهؤلاء انخفضت شعبية اوباما من ٦٣ في المئة عند وصوله الى الحكم الى٤٣ في المئة بعد تسعة اشهر. حتى شعبية زوجته ميشيل تراجعت داخل اميركا من ٧٢ في المئة في يومها الاول في البيت الابيض (وهي النسبة الاعلى بعد لورا بوش زوجة بوش الابن) الى ٦١ في المئة عند كتابة هذه السطور. ويقول المحلل السياسي في جريدة "نيويورك تايمز" ديفيد بروكس، إنه "في تاريخ الاستطلاعات، لم تتراجع شعبية رئيس اميركي بهذا المقدار وهذه السرعة". وقد بدأ هذا يؤثر على شعبية الحزب الديموقراطي الحاكم (حزب أوباما) كما اظهرت نتائج الانتخابات الفرعية الأخيرة في ٣ تشرين الثاني الماضي، وبالأخص خسارة الديموقراطيين في انتخابات حاكمي ولايتي نيوجرسي وفرجينيا ونجاح مايك بلومبرغ الملياردير الديموقراطي كرئيس لبلدية مدينة نيويورك بغالبية صغيرة (٥١ في المئة) بعدما كان انفق على حملته الانتخابية حوالي ١٦٠ مليون دولار مقارنة بـ ١٣ مليون دولار انفقها غريمه الجمهوري. ورغم ان هناك اختلافاً في آراء المعلقين الأميركيين حول المعنى السياسي لهذه الانتخابات، الاّ أن قيادة الحزب الديموقراطي بدأت تتخوف من نجاح محتمل للجمهوريين في الانتخابات الفرعية سنة ٢٠١٠ وإمكان انتزاعهم الأكثرية في مجلسي النواب والشيوخ.
ماذا حصل؟
خلال حملته الانتخابية، أطلق أوباما وعوداً كثيرة، بعضها صعب التحقيق. أطلقها لمجرد اتخاذ موقف معاكس لمواقف سلفه جورج بوش الابن و ليس بناء على سياسة مدروسة ومتكاملة.
أولاً: قال أوباما إنه سيغلق معتقل غوانتانامو في كوبا خلال سنة واحدة وهذه سنة تقريبا مضت ولم يستطع اغلاق هذا المعتقل لأنه فشل حتى في اقناع ممثلي حزبه في الكونغرس بقرار يسمح بنقل المعتقلين من كوبا إلى السجون الاميركية. وقد اعترف اخيرا بأنه لن يستطع إغلاق المعتقل هذه السنة ولكنه يأمل أن يفعل ذلك السنة المقبلة دون أن يعطي موعداً محدداً لذلك. كما كان وعد في هذا السياق بأن يغيّر نظام المحاكم العسكرية المولجة محاكمة المعتقلين هناك، ولكنه لم يستطع اقناع الكونغرس سوى بتغييرات طفيفة مع الابقاء على الاجراءات التي كان يقول عنها انها تتعارض مع أصول المحاكمات العادلة ومع حقوق الانسان بشكل عام. كل هذا أغضب ناشطي حقوق الإنسان وغيرهم من المعترضين أصلاً على هذا المعتقل وطريقة عمله وتسبب باستقالة محامي البيت الأبيض الذي كان يقود عملية الاغلاق.
ثانياً: وعد أوباما خلال حملته الانتخابية أن يسحب القوات الأميركية من العراق قبل سنة ٢٠١١، الموعد الذي كان قرره بوش و الكونغرس في حينه، ولكنه أصبح من الواضح اليوم – ونحن على عتبة ٢٠١٠- أن هذا الانسحاب قد لا يتم حتى في ٢٠١١. وقد تُبقي الولايات المتحدة على بعض هذه القوات في العراق الى أجل غير مسمى. في المقابل، كان أوباما وعد بالتركيز على أفغانستان بدلا من العراق حتى الوصول الى نصر كامل هناك على حركتي "طالبان" و"القاعدة"، ولكن هذه السياسة تتخبط اليوم خاصة بعدما بدأ معظم شركائه الاوروبيين بالانسحاب التدريجي من المعركة. إن هذا التعثر في مواجهة حربين مكلفتين، مالياً وبشرياً، وغير شعبيتين، تقودهما الولايات المتحدة اليوم يقلق الكثيرين من الأميركيين وخاصةً المناوئين للحروب، وحركات السلام بشكل عام، مما يسبب تآكلاً إضافياً في شعبية أوباما.
ثالثاً: دخل أوباما منذ بداية عهده في محاولة اصلاح النظام الصحي الأميركي رغم معرفته بأن المحاولات السابقة – خاصة تلك التي خاضتها هيلاري كلينتون في بداية عهد زوجها الأول – باءت بالفشل. وكان هو نفسه حاول اصلاح النظام الصحي في ولايته ايلينوي عندما كان عضوا في مجلس شيوخها و لكن سلسلة من التعديلات من قبل الأعضاء الآخرين جعلت من النص النهائي، كما وصفه أحدالمعلقين السياسيين في حينه، أشبه بأطروحة جامعية. أما محاولته الأخيرة فقد تجاوزت مجلس النواب بعد تعديلات عدة ولا شك في أنها ستكون موضع تعديلات كثيرة اخرى قبل ان تمر في مجلس الشيوخ (إذا مرّت).
إلا أن هذه المعركة التي ما زالت في أوجها أزعجت تجمعات مختلفة. كحركات "المساندة للحياة" (Pro-life) التي تعترض بقوة على" تعديل ستوباك " الذي يقضي بعدم امكان استفادة الشخص من المخصصات الصحية الحكومية المحتملة اذا ما صرف اي قسم منها على الاجهاض، او كحركات كثيرة أخرى تنشط ضده لاعتبارها ان القانون سيزيد من التفاوت الاجتماعي. و المعارضة الأهم تأتي من القطاع الصحي (شركات الـتأمين الصحي والدواء) والذي يتمتع بأحد أهم اللوبيات الموجودة على الساحة السياسية، إذ أن لديه جيشاً من اعضاء اللوبيات (ستة أشخاص مسجلين لكل عضو في الكونغرس – منهم زوجة السيناتور النافذ جو ليبرمان أشرس المعارضين للإصلاح الصحي – وينفق ما معدّله مليون ونصف مليون دولار يوميا للإعلانات المناوئة لبرنامج الإصلاح الصحي، وكتبرعات سياسية لأعضاء الكونغرس (كان أكبرها لمصلحة رئيس اللجنة المسؤولة عن كتابة القانون في مجلس الشيوخ) وذلك إما بهدف تعديل بعض بنود مشروع القانون لمصلحتها وإما لإفشال المشروع كلياً.
رابعاً: كما ورث أوباما من بوش أزمة مالية غير مسبوقة تحولت أزمة اقتصادية كبيرة ما زالت تتفاعل رغم إغراق السوق من قبل الحكومة الفيديرالية بالاموال الطائلة، والتي قد تصل الى تريليون دولار أو أكثر في نهاية المطاف، من اجل انقاذ المصارف الخاصة الكبرى، والشركات الكبرى، ودعم الاسر المهددة بفقدان منازلها المشتراة بالدين… وقد تكون هذه السياسة تفادت كارثة أكبر، إلا أنها لم توقف ارتفاع مستوى البطالة الذي بلغ ١٠٫٥ في المئة رسمياً (تشرين الأول ٢٠٠٩) وحوالى ١٢ في المئة اذا ما احتسبنا العاطلين عن العمل الذين توقفوا عن البحث عن العمل بسبب الإحباط، حسب الإحصاءات الرسمية أيضاً. ويجمع المحللون الاقتصاديون على أن هذه النسب ستزداد في المستقبل المنظور. لذا فإن سياسة أوباما في مواجهة الأزمة الأقتصادية، رغم أنها قد تكون نجحت في تفادي أزمة أكبر، إلا أن مستويات البطالة المرتفعة التي رافقتها ووصلت إلى حدود لم يعرفها الإقتصاد الأميركي منذ عقود، والعجز في موازنة الدولة غير المسبوق أيضاً (رغم وعد أوباما خلال حملته الانتخابية بتقليصه) زادت من تآكل شعبيته.
خامساً: وعد اوباما خلال حملته الانتخابية بأنه سيباشر بسرعة بعد تسلمه الرئاسة مد اليد لايران والبدء بمفاوضات معها بالاشتراك مع إنكلترا وفرنسا وألمانيا وروسيا لمعالجة الملف النووي الايراني من خلال المفاوضات مستبعداً خيار العقوبات الاضافية او الحل العسكري اللذين كان بوش قد وضعهما على الطاولة. لكنه بعد الانفتاح على إيران وارتفاع الآمال بعهد جديد بين الدولتين، عادت الامور الى حالتها الماضية من التوتر، فعادت اميركا تهدد بتشديد العقوبات وصادرت أموالاً وأملاكاً إيرانية إضافية في الولايات المتحدة، مما جعل رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني يقول إن باراك أوباما "ليس خيرا من سلفه جورج بوش". إن هذا الإنفتاح الذي لم يعط حتى اليوم أية نتيجة إبجابية، أعطى في المقابل للحزب الجمهوري وللمحافظين بشكل عام الفرصة للادعاء بأن سياسة أوباما تجاه إيران بدأت تتحول نسخة جديدة من سياسة بوش الإبن. وإنه، حسب قول وليم كريستول – أحد المحافظين الجدد – في مقال نشره عند إستلام أوباما الحكم: "سينتهي [أوباما] حيث وصل بوش….في الاختيار بين إستعمال القوة أو القبول بإيران نووية". ويضيف كريستول متهكما: "إنه في الغالب سيتصل بـ [ديك] تشايني طالباً نصيحته".
سادساً: كما وعد أوباما ألاّ ينتظر ولايته الثانية للضلوع في حل الصراع العربي – الإسرائيلي بل أنه سيبدأ منذ اليوم الأول لولايته الأولى بذلك. وهكذا فعل عندما عيّن جورج ميتشل مبعوثاً خاصاً له لهذا الغرض بعد أيام قليلة من استلامه سدّة الرئاسة. ولكنه سرعان ما واجه صعوبات عندما أصرّ على وقف العمل في بناء المستوطنات وتوسيعها كشرط لبدء المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين فبدأ يتراجع أمام التعنت الاسرائيلي مما أوقف العملية برمتها. هذه المواجهة مع إسرائيل هي الاقسى على شعبيته بسبب أهمية اللوبي اليميني الاسرائيلي الأقوى على الساحة السياسية والذي يتمثل باللجنة الاميركية الاسرائيلية للعلاقات العامة (آيباك) (AIPAC)، والتي فتحت معركة شرسة ضد اوباما شخصياً. وسنعود إلى هذه المواجهة في نهاية هذا المقال.
وحتى بالنسبة الى اميركا اللاتينية وأوروبا، فإن أوباما لم يستطع أن يحقق الامال التي أطلقها. في ما يخص كوبا مثلا، والتي وعد أوباما برفع الحظر التجاري عنها والعودة الى علاقات طبيعية معها ولكنه لم يحقق من ذلك سوى السماح للكوبيين، والذين من اصل كوبي في اميركا بإرسال تحويلات الى أهلهم هناك، علماً بأن هذه التحويلات كانت تحصل فعلاً ولكن بطريقة غير رسمية. وبعد مصافحة الرئيس الفنزويلي هيوغو تشافيز في نيسان الماضي عادت العلاقات الى التوتر بين الدولتين. فنتيجة لمحاولة الولايات المتحدة الوصول الى اتفاق يسمح لقواتها باستعمال القواعد العسكرية الكولومبية هدد تشافيز "بحرب محتملة". أما بالنسبة الى الأوروبيين الذين كانوا يؤيدونه ولا يزالون بشكل شبه مطلق، فانهم بدأوا يتململون، كما يقول دنيس ماسكون، النائب الانكليزي الحالي والوزير الأوروبي السابق، في مقال له في مجلة "نيوزويك"، لأن أوباما أشار إلى إمكان حل ائتلاف الدول السبع أو الثماني (G7 وG8) ويميل إلى الشراكة الإقتصادية مع الصين والهند أكثر من الشراكة مع أوروبا. وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى الكتاب المفتوح ألذي أرسلته إلى أوباما مجموعة من رؤساء الجمهورية ورؤساء الوزراء السابقين في أوروبا الشرقية يتساءلون فيه عن مدى مساندته للتحالف الأوروبي – الأميركي.
المهم في الامر هو أن أوباما أطلق خلال حملته الانتخابية وعوداً كثيرة ورفع آمالاُ كبيرة مما جعله يقوم، منذ بداية عهده، وفي آن واحد، بمواجهات عدة، اسهلها صعب، بعضها فرض عليه (الازمة الاقتصادية، العراق والى حد ما افغانستان) والبعض كان طوعيا (غوانتانامو، النظام الصحي، عملية السلام، التقارب مع اميركا اللاتينية وأوروبا)، وكل واحدة من هذه المواجهات جلبت له من الخصوم اكثر مما جلبت له من المؤيدين.
وهكذا، فبالاضافة الى اليمين الأميركي من محافظين ومحافظين جدد، واليمين المسيحي والمسيحيين الصهاينة، والحزب الجمهوري بشكل عام، اعدائه التقليديين، خسر اوباما الكثير من اصوات المستقلين واصوات الكثير من اليهود، واليساريين والوسطيين، الذين بتحولهم هذا اسقطوا حكام ولايتين اساسيتين في الانتخابات الفرعية الاخيرة، واللتين كانتا منذ مدة من حصة الديموقراطيين، وكادوا يسقطون رئيس بلدية مدينة نيويورك الملياردير مايكل بلومبرغ علماً بأن هذه المدينة تميل تقليدياً نحو الديموقراطيين، ومنهم غالبية من اليهود الذين يضاهي عددهم هناك ما هو موجود في إسرائيل.
وهكذا تراجعت شعبية أوباما وبدأت الحملة عليه من أعدائه القدامى والجدد. فاليمين الأميركي وحزب الجمهوريين رأوا في التراجع هذا فرصة للإنقضاض عليه تحضيراً للإنتخابات الفرعية سنة ٢٠١٠ ولربما أيضاً للإنتخابات الرئاسية سنة ٢٠١٢. فتسارعت وتيرة المقالات والكتب النقدية وحتى تلك الفضائحية ككتاب "ثقافة الفساد: أوباما و فريقه المؤلف من المتهربين من دفع الضرائب والغشاشين والمنتفعين" والذي تتكلم فيه كاتبته، ميشيل مالكين، عن المحيطين بأوباما بما في ذلك زوجته ميشيل ونائبه جو بايدن ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون. وقد احتل الكتاب اخيرا المركز الأول لاسابيع عدة في قائمة صحيفة "نيويورك تايمز" للكتب الأكثر مبيعاً في أميركا.
ولا بد من الاشارة في هذا السياق، إلى أن تاريخ أوباما السياسي مفتوح على تساؤلات لجهة المحيط الذي ترعرع فيه سياسياً والأشخاص الذين حاباهم في صعوده السريع نحو رئاسة الجمهورية. تخرج أوباما بشهادة حقوق سنة ١٩٩١ وعمل كأستاذ محاضر في جامعة شيكاغو ومحام في مكتب محاماة معروف هناك حتى نجاحه في إنتخابات مجلس شيوخ الولاية سنة ١٩٩٧. و بعد خمس سنوات فقط إنتُخب عضواً في مجلس الشيوخ الفيديرالي وبعد أربع سنوات أصبح رئيساً للجمهورية. هذا الصعود السياسي غير المسبوق – خاصة لرجل أسود – أصبح اليوم موضع تحقيقات من قبل الجمهوريين وغيرهم، خاصة أن أوباما هو وليد الحزب الديموقراطي في ولاية الينوي المعروف، أنه والحزب الديموقراطي في ولاية لويزيانا، الأكثر فساداً بين الأحزاب في الولايات المتحدة الأميركية. فعلى سبيل المثال، فإن أربعة من حكام ولاية الينوي من أصل آخر ثمانية حكام إما دخلوا السجن وإما في طريقهم اليه بسبب الفساد، وكان آخرهم رود بلاغويوفتش الذي أدين اخيرا لأنه أراد بيع كرسي أوباما في مجلس الشيوخ للذي يدفع الرشوة الأكبر وذلك بعد إستقالة أوباما بسبب ترشحه للانتخابات الرئاسية (يحق لحاكم الولاية تعيين خلف لعضو مجلس الشيوخ المستقيل للمدة المتبقية من ولايته). وكان أوباما في الماضي رئيس حملة بلاغويوفتش ألإنتخابية.
هناك أيضاً قضية أنطوان ريزكو، رجل الأعمال السوري الأصل الذي كان من جامعي الأموال الاساسيين لحملات أوباما الإنتخابية (جمع لأوباما خلال ١۳ سنة في حياته السياسية 160 الف دولار) وقد دخل السجن منذ بضعة أشهر بتهمة شراء السياسيين الذين كان يساعدهم (نفى أوباما أن يكون ريزكو تقدم إليه بأي طلب من هذا النوع). وقد أرسلت اللجنة الوطنية للجمهوريين في حينه رسالة إلكترونية الى الصحافة تحت عنوان "ريزكو صديق أوباما القديم و مموله" كما تحرك بعض الجمهوريين في مجلس الشيوخ و النواب في الإتجاه نفسه ولكن شعبية أوباما آنذاك، وعدم شعبية الجمهوريين عند إنتهاء ولاية بوش الإبن، ساعدا في طمس هذه الإتهامات إعلامياً. ولا بد أن تشكل هذه الخلفية عنواناً رئيساً للحملة المقبلة على أوباما. ويقول الصحافي والكاتب الأميركي الليبرالي المؤيد لأوباما جو كوناسون أن هذه الهجمة على أوباما ليست سوى البداية مضيفاً أن على أوباما من الآن فصاعداً أن ينتظر شلالاً من الإفتراءات والتهديدات والعنف الكلامي وهذا لا بد أن يضرّ به، وقد يخسر الديموقراطيون الغالبية التي يتمتعون بها اليوم في الكونغرس بعد الإنتخابات الفرعية سنة ٢٠١٠، فيجدون أنفسهم وجها لوجه أمام سلسلة من التحقيقات ضدهم في الكونغرس أو ما هو أسوأ.
هذه الحملة وتداعياتها السلبية على الحزب الديموقراطي جعلت أوباما يتردد في إتخاذ القرارات في إنتظار الحصول على موافقة واسعة مسبقاً، مما جعل، حتى مؤيديه، يعترضون على بطء الإدارة في حسم الأمور الضرورية و المستعجلة. ويلومه مؤيدوه لانه – كما تقول مورين داود، الصحافية الليبرالية في جريدة "نيويورك تايمز" – "ينشغل بأن يكون مختلفاً عن بوش الإبن و أكثر توافقية الى حد ينسى فيه الحقائق على الأرض".
ولا بد من كلمة اخيراً عن المواجهة بين اوباما و اسرائيل خلال السنة الأولى من حكمه وتداعياتها على السياسة الاميركية في الشرق الاوسط و خاصة ايران و فلسطين.
ايران وفلسطين
بدأت المواجهة حول الملف الفلسطيني الأسرئيلي منذ استلام أوباما الحكم – او بعد ذلك بقليل. فبعد ان اتخذ أوباما خلال حملته الانتخابية مواقف مساندة لاسرائيل أكثر من أي مرشح آخر، عاد واصطدم بتعنت وغطرسة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي حشد غالبية في مجلسي النواب والشيوخ تبنّوا قراراً يطلب من الرئيس أوباما عدم الضغط على اسرائيل، كما حرّك اللجنة الاميركية – الاسرائيلية للعلاقات العامة (AIPAC)، المنظمة الاقوى في اللوبي الاسرائيلي، والتي بدورها عقدت مؤتمراً في أيار الماضي لمناسبة زيارة الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس الى الولايات المتحدة، جمعت فيها الآف المؤيدين، بما في ذلك نصف اعضاء مجلس الشيوخ وغالبية اعضاء مجلس النواب وطالبت في ما طالبت مساندة الحكومة الإسرائيلية في سياساتها. وأمام عرض العضلات هذا اتخذ اوباما عدة خطوات منها: اعلان سفيره لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ان على اسرائيل ان توقع معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية- وهذا موضوع حساس بالنسبة الى اسرائيل لم يجرؤ أحد من الرؤساء الأميركيين أن يتطرق اليه من قبله. كما أعلن ان الولايات المتحدة قد اتخذت موقفها من انه على اسرائيل وقف بناء المستوطنات او توسيعها كشرط لبدء المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية، وأصرّ على ذلك في خطابه الى المسلمين الذي القاه في جامعة القاهرة. كما دعم منظمة لوبي اسرائيلي جديد، تدعى "جاي ستريت"، تنادي بالسلام بين العرب واسرائيل على اساس الدولتين وتساند أوباما في سياسته في هذا المجال بشكل كامل، مما خلط الى حد ما اوراق المساندين لاسرائيل من اليهود الاميركيين وغيرهم. كما حشد أوباما في الخارج الدول الاوروبية لمساندته في مواجهة الحكومة الاسرائيلية وقد نجح في ذلك، اذ استطاع ان يحصل على اوركسترا اوروبية مساندة كلما اتخذ موقفا معاكسا لنتنياهو، آخرها جاء إثر استنكاره موافقة الحكومة الاسرائيلية على بناء ٩٠٠ وحدة سكنية في مستوطنة جيلو في الاراضي التي احتلتها اسرائيل عام ١٩٦٧.
في هذه المواجهة رفّت عين اوباما قبل ان ترف عين نتنياهو (كما يقول الاميركيون في اشارة الى المواجهة في حلبة المصارعة قبل بدء الشوط الاول)، وبدأ بالتراجع كما سبق وذكرنا. فبالنسبة للمستوطنات، قبل اوباما بـ"تقييد" بنائها بدلاً من وقفه كشرط لبدء المفاوضات. وفي اللقاء الاخير الذي حصل بين نتنياهو وهيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الاميركية اعلن نتنياهو انه يقبل بتجميد جزئي وموقت لبناء المستوطنات لا يشمل القدس، معتبرا ان هذا العرض هو "غير مسبوق" فوافقت كلينتون على أنه "غير مسبوق" رغم ان الولايات المتحدة "تفضل" تجميدا كاملا حسب قولها. في المقابل بدأت الادارة الاميركية بالضغط على السلطة الفلسطينية لقبول هذا العرض رغم معرفتها ان اسرائيل ستطيل المفاوضات الى ان تكون قد غيرت المعالم الديموغرافية للقدس ومناطق اخرى في الضفة. وبدأت الأدارة الاميركية بالتركيز على طمأنة اسرائيل على أمنها لثنيها عن مواجهة ايران ومتابعةً لفكرة ساذجة بأن طمأنة اسرائيل أمنياً ستشجّعها على البدء بحوار جدّي مع الفلسطينيين يوصل الى حل الدولتين، مع العلم بان هذه السياسة مريحة للإدارة الأميركية لانها تتفادى المواجهة مع إسرائيل. وهكذا كثّفت اميركا من مساعدتها لاسرائيل في تطوير نظام دفاع صاروخي ذي طبقات عدة (Multi-layered) يحمي اسرائيل من الصواريخ القريبة المدى ("حزب الله" و"حماس") والبعيدة المدى (ايران)، مما يخوّلها، كم يقول جوستين ريموندو، الكاتب اليساري المناوئ لإسرائيل، استيعاب الضربة الاولى اذا حصلت واستعمال قدراتها المدمرة للقيام بضربة مضادة "تمحو عن الخريطة اي دولة قد تسوّلها نفسها ان تستعمل اسلحة دمار شامل ضدّها".
وتنسحب هذه السياسة اكثر ما تنسحب على العلاقة مع ايران وسياسة الجزرة والعصا التي ما زالت تتّبعها الولايات المتحدة تجاهها بالتنسيق مع الدول الخمس الاخرى في مجموعة الخمسة وايران. فالجزرة، اي العرض الاخير الذي تقدمت به المجموعة الى إيران قد يكون اقترب من السقف الذي وضعته المجموعة لنفسها ولذلك فمن الصعب تكبير ححجم الجزرة من الآن فصاعداً. اما العصا فإنها تكبر تدريجاً وقد بدأت معالم ذلك بالظهور:
اولاً: عاد الكلام الجدي في توسيع العقوبات المفروضة على ايران وقد حصلت الولايات المتحدة على موافقة روسيا، المبدئية، وكذلك الصين، وقد تشمل العقوبات هذه المرة اجراءات موجعة مثل منع الرسميين الايرانيين من السفر الى خارج ايران، وتشديد حظر التعامل مع المؤسسات المصرفية الايرانية او تلك المتعاملة معها، وتجميد اصول هذه المصارف اذا لم تمتثل، علما بأن معظم قرارات مجلس الأمن الموجهة إلى إيران هي تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
ثانياً : هناك اشارات كثيرة – إضافةً إلى ما يقوله الايرانيون بشكل شبه يومي – الى ان الولايات المتحدة و بعض حلفائها يقومون باستغلال حالة الاضطراب السياسي داخل ايران بعد الانتخابات الرئاسية الاخيرة، الى حد دعم بعض الحركات المسلحة الداخلية كـ"جند الله" مثلا الذين تحركوا فعلا في مقاطعة بلوشستان. وتؤكد ذلك "معلومات" لسيمون هرش و"اي بي سي نيوز" وغيرهما الذين إدعوا اخيرا ان الولايات المتحدة و باكستان، ولربما آخرون، يقدمون الدعم المادي واللوجيستي لهذه الحركات.
ثالثاً: في هذه الاثناء طلب البيت الابيض من وزارة الدفاع الاميركية الاسراع في تطوير قنابل تصل زنتها الى خمسين طنا تستطيع اختراق اكثر التحصينات مناعة تحت الارض في اشارة غير مباشرة الى التحصينات الايرانية وربما الكورية الشمالية ايضا.
اما بالنسبة الى الصراع العربي الاسرائيلي فلا شك في أن أوباما سيكمل محاولته شق الصف اليهودي في الولايات المتحدة من خلال تشجيع اللوبي الجديد "جاي ستريت" الذي، رغم الزخم الذي ابتدأ به وهو لم يتجاوز السنة من العمر بكثير، فانه لن يصبح اللاعب ألأكبر على الساحة اليهودية الاميركية، لو نجح في ذلك، إلا في الامد البعيد بينما الهجوم على أوباما من قبل "إيباك" وأخواتها هو في الامد القصير. لذا، فان انحسار شعبيته، إذا لم يحقق نصراً كبيراً في واحدة أو أكثر من مواجهاته الآنفة الذكر، والفضائح المحتملة التي قد يستغلها اللوبي الاسرائيلي المتطرف في الولايات المتحدة، حتى ولو كانت وهمية، تنبئ بتحول تدريجي في السياسة الاميركية نحو مسايرة اسرائيل اكثر فاكثر، خاصة أن انتخابات نصف العهد الاميركية ستحصل بعد سنة وقد الغالبية داخل الكونغرس من ديموقراطية الى جمهورية لتخفف أكثر من قابليّة أوباما للسباحة عكس التيار. عندها ستعود هذه السياسة الى أولوياتها التقليدية (والطبيعية إذا صحّ التعبير) تجاه هذه المنطقة، ألا وهي حماية إسرائيل وحماية النفط ويتم إبعاد كل ما يتعارض مع هاتين الاولويتين مهما كان محقاً أوعادلاً.
(سفير لبنان الأسبق في واشنطن – رئيس مركز الدراسات والمشاريع الإنمائية (مدما))
"النهار"




















