شهدت المسألة الكردية في تركيا في السنوات القليلة الماضية تطورات مهمة، فقد قام حزب العدالة والتنمية الحاكم بخطوات وإجراءات ملفتة على صعيد الوصول الى حل لهذه المسألة التي شكلت منذ عقود طويلة عاملاً أساسياً في توتير الأوضاع الداخلية التركية وأيضاً الاقليمية. فقد أنهى عزلة زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، حيث نقل خمسة معتقلين لملازمة أوجلان في سجن جزيرة ايمرالي الذي يخضع لاجراءات أمنية مشددة منذ العام 1999.
وكان السماح بعودة 34 عنصراً من حزب العمال الكردستاني الى تركيا، عبر بوابة خابور الحدودية مع العراق، مادة دسمة لاستعار الجدل السياسي داخل تركيا حول سبل حل المشكلة الكردية. وتزامن ذلك مع اعلان مسؤول العلاقات الخارجية في حزب العمال الكردستاني أحمد دنيس أن حزبه "مؤمن" تماماً بأن حل القضية الكردية في تركيا لن يتم عبر استخدام القوة.
وفيما رحّب رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان بالحدث واعتبره مدعاة للسرور والأمل، انقسمت الصحافة التركية بين مرحب وبين قائل انه بداية النهاية لحزب العمال الكردستاني، متوقعة توالي استسلام مجموعات أخرى في وقت قريب على أن يكون العدد أكبر بكثير، وعلى شكل مجموعات تتألف كل منها من 100 الى 150 عنصراً.
وعقد مجلس الأمن القومي التركي، جلسة هي الأطول منذ جلسة 28 شباط العام 1997 الشهيرة التي كانت قراراتها بداية الاطاحة بحكومة نجم الدين اربكان، وابدى المجلس دعمه لعملية الانفتاح الديموقراطي الموجهة أساساً لحل المشكلة الكردية، مذكراً في الوقت ذاته، من خلال مذكرة الحكومة تمديد التفويض لضرب شمال العراق، ان الانفتاح لا يتعارض مع استمرار تعقب عناصر الكردستاني عسكرياً.
وتتمثل رؤية الحكومة التي سميت مبادرة الانفتاح الديموقراطي من أجل الوصول الى الوحدة الوطنية والاخوة، حسب وزير الداخلية بشير آتالاي والتعديلات في إزالة القيود المفروضة على استخدام اللغة الكردية وإنشاء لجنة لمكافحة التمييز، واستعادة أسماء القرى الكردية السابقة، إضافة الى إنشاء هيئة مستقلة للتعامل مع شكاوى التعذيب المقدمة ضد قوات الأمن؛ كما أكد الوزير التركي ان الحكومة تسعى لتوسيع دائرة الحقوق والحريات السياسية لجميع المواطنين.
أما على المدى المتوسط، فإن الحكومة تخطط للتدابير الآتية: تأسيس لجنة مستقلة لمناهضة التمييز، وتحويل لجنة حقوق الانسان التابعة لرئاسة الحكومة الى لجنة مستقلة ومدنية، والسماح باستعادة الأسماء القديمة للأمكنة في حال ورود طلب بذلك، والسماح للأحزاب باستخدام اللغات الأم في حملاتها الانتخابية ومخاطبة الناخبين.
أما الوعود على المدى البعيد فتتمثل في الاعداد لدستور يضمن كل الحريات، ووفقاً لأوسع توافق وطني، لكن من دون المسّ بالمواد الثلاث الأولى من الدستور التي يحرم حتى تقديم طلب اقتراح بتعديلها، فكيف بتعديلها أساساً، وتتعلق بالخصائص الأساسية للجمهورية وبنية الدولة الواحدة والعلم والنشيد الوطني واللغة الرسمية للدولة. ويقول اتالاي ان "الانفتاح الديموقراطي" ليس رزمة مغلقة بل عملية ديناميكية يمكن اتخاذ خطوات مختلفة وجديدة خلال مسارها، معتبراً الوصول الى مرحلة اعداد دستور جديد مهمة لأن تركيا تستحق دستوراً غير الموجود الآن.
وقد انتهت نقاشات البرلمان التركي حول خطة الانفتاح على الأكراد بتباين كبير بين حكومة حزب العدالة والتنمية وبين حزبي المعارضة الرئيسيين، "الشعب الجمهوري" العلماني و"الحركة القومية" اليميني المتشدد، فيما كان التلاقي الأبرز بين حزب العدالة والتنمية و"حزب المجتمع الديموقراطي".
واذا كان موقف الحركة القومية متوقعاً على الصعيد الايديولوجي، فإن غير المفهوم، بل والمثير للتعجب موقف حزب الشعب الجمهوري الذي ينظر اليه في أوروبا على أنه الأكثر ليبرالية من غيره، خصوصاً انه عضو في الاشتراكية الدولية ويرى في عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي حماية للعلمانية فيها. كما ان العضوية الأوروبية تتطلب أن تكون تركيا بلداً يتساوى فيه المواطنون بمعزل عن انتمائهم الديني والمذهبي والعرقي، كما تحظى الأقليات بحقها في تجسيد هويتها الثقافية.
أما رئيس حزب "المجتمع الديموقراطي" أحمد تورك، فقد كان مشيداً بمواقف الحكومة ورئيسها، معتبراً ان المهم هو بدء عملية النقاش، وهو ما جرى. ويقول انه كان يعرف ان أردوغان ليس عنده برنامج جذري محدد لكن المهم الشروع بمناقشة المسألة. ويجب ألا ينظر الى الاعتراف بالهوية الكردية على انه خطر وانقسام، ومن يصرّ على ذلك انما يريد استمرار سياسة الانكار والصهر.
ومن الجدير ذكره انه سبق لرئيس البرلمان التركي بولنت ارينتش ان أطلق نداء الى زعماء المعارضة لكي يتخلوا عن الاتهامات الجارحة وغير اللائقة للحكومة حول خطة الانفتاح على الأكراد، موضحاً انه مستعد لتقبيل يد زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض دنيز بايكال في حال ساهم في التوصل الى حل للمشكلة الكردية.
وذكّر ارينتش بأن حزب المجتمع الديموقراطي الكردي هو حزب شرعي وموجود في تسع محافظات. واعتباره غير موجود لا يحل المشكلة. ورفض اقتصار حل المشكلة على الوسائل العسكرية اذ ان الارهاب هو نتيجة. ومنذ بدء العصيان الكردي عام 1985 مرّ عشرة رؤساء أركان وعشر حكومات و15 قائداً للقوات البرية، والعديد من هؤلاء اعترف بعد ذلك بأن منع اللغة الكردية كان عملاً خاطئاً، وتم عدم الاعتراف بالهوية الكردية بطريقة كاريكاتورية، وكل ذلك دل على ان الحل يجب أن يكون سياسياً واجتماعياً.
" المستقبل"




















