الاتحاد الأوروبي لم يعترف يوماً بضم القدس، أو بشرعية الاستيطان.
لكن لموقفه اليوم بشأن جعل القدس عاصمة لدولتين "نكهة" خاصة.
فهو يأتي بعد الهزيمة التي ألحقها رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بشريكيه الاميركي باراك اوباما والفلسطيني محمود عباس في ما خص موضوع تجميد الاستيطان.
وهو يأتي بعدما استدرك نتنياهو نتائج ضعف هذين الشريكين على الموقع الاسرائيلي نفسه، منتقلا من رفض التجميد الكامل، الى التجميد لمدة عشرة اشهر في الضفة الغربية باستثناء القدس.
لكن الشريكين لم يستطيعا "نجدته". فالرئيس الفلسطيني بعد الحملة التي تعرّض لها اثر تمريره تأجيل اقرار تقرير غولدستون الذي يدين اسرائيل لارتكابها جرائم حرب في غزة، اعلن قراره بعدم الترشح للرئاسة مرة ثانية، واعتصم بسقف سياسي "عالٍ" لم يأخذ في الاعتبار اولا مطالب "الشريك الاميركي".
والرئيس الاميركي، المستضعف اسرائيليا، لم يستطع نجدة نتنياهو بتسويق "تنازله" الجديد لدى اي طرف عربي، ناهيك بالفلسطيني.
لقد عَلِقَ المسار كله عند القدس، ومن هنا اهمية الاختراق الاوروبي، في هذه اللحظة بالذات.
إنه إحراج للموقف الاميركي، وخصوصا للادارة التي اثارت آمالا مبالغا بها في الشرق الاوسط؛ مثلما هو دعم غير مباشر لها إن هي شاءت استئناف دور فاعل في العملية السلمية.
وهو مخرج للرئيس الفلسطيني، ليس من زاوية عودته عن قرار ترشيحه للرئاسة من جديد، وانما من زاوية اثبات ان هناك افقا حقيقيا للتصلب الذي ابداه بعدما يئس من انتظار المبادرات الاميركية، لا بل بعدما شعر بأن الضغوط الاميركية تنصبّ عليه وحده.
وفي هذا السياق لا بد من ملاحظة ان الموقف الاوروبي الجديد يستنهض الموقف العربي الرسمي الذي استكان عند موقف انتظاري، بعد تسجيل موقف مبدئي داعم للفلسطينيين.
فمنذ انهيار مشروع المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية، وبذريعة عدم طرح مبادرات "غير ناضجة" امام مجلس الامن لاعلان دولة فلسطينية من جانب واحد، غلب الجمود على الموقف العربي الرسمي، ولم يعد ينقص سوى التلويح، بعد اسابيع قليلة، بأن الادارة الاميركية دخلت مرحلة الانتخابات النصفية للكونغرس، لتأجيل البحث برمته الى الخريف المقبل.
وللموقف الاوروبي تأثير كبير على الوضع الاسرائيلي الداخلي الذي يشهد هذه الايام انحدارا جديدا نحو اليمين، مع المقاومة المتصاعدة التي يبديها المستوطنون لقرار تجميد البناء الجزئي في الضفة الغربية، رغم كل التطمينات التي يغدقها عليهم نتنياهو بان البناء سيستأنف بكل حرية بعد مرور الاشهر العشرة بمفاوضات او من دونها.
المستوطنون في طريقهم لضبط ايقاع الوضع السياسي الاسرائيلي الداخلي، وصولا الى اثارة مسألة تحريض الجنود على التمرد ضد قرارات منع البناء. كل ذلك مع غياب الانقسام الداخلي التقليدي بين انصار التسوية وانصار "اسرائيل الكبرى"، ليس لان هؤلاء تخلوا عن مشروعهم فعلا، ولكن لان التسوية لم تعد تجد في اسرائيل معسكرا مستعدا لتحمل كلفتها السياسية، جماهيريا، في مرحلة المد اليميني الراهن.
من هنا فان الصوت الاوروبي الذي يذكّر الاسرائيليين بالبديهيات "الاخلاقية" للنزاع هو بمثابة تعويض عما اصاب انصار السلام في اسرائيل من ترهل.
اخيرا، الموقف الاوروبي الشجاع الذي صنعته عمليا الرئاسة الاسوجية الدورية للاتحاد، يستعيد النظرة الاجمالية الى علاقة الغرب بالعالم الاسلامي، هذه العلاقة التي انزلقت في الاشهر الاخيرة لتقتصر على الجوانب العسكرية (العراق وافغانستان) والثقافية (الحجاب والمآذن)؛ وليس افضل من القدس منطلقا لتصحيح الانزلاقات.
"النهار"




















