لا جديد في القول ان المشروع الوطني الفلسطيني، بعد 60 عاما ونيف من النضال بمختلف الأشكال والوسائل، وصل الى طريق يكاد يكون مسدودا بالكامل. الجديد، هو القول انه بات محتما على النخب الفلسطينية، في الداخل وفي الشتات على حد سواء، أن تمعن النظر في ما انتهى اليه مشروعها هذا في الفترة الأخيرة، ليس لجهة النتائج المحققة فقط بل لجهة الأسباب التي أدت اليها قبل كل شيء، وأن تعيد انتاج مشروعها مجددا ومعه حراكها الوطني الشامل في مواجهة دولة الاحتلال، وعلى مستوى العالم، لتحقيق ما لم يكن ممكنا تحقيقه حتى الآن.
والمهمة مصيرية فعلا من أية زاوية ينظر اليها، بقدر ما هي ملحة بل بالغة الالحاح في هذه المرحلة من العمل الفلسطيني… وحتى العربي، اذا كان لعرب اليوم من دور تأسيسي بعد في صياغة وتقرير مستقبل العمل الفلسطيني. ذلك أن فلسطين هي القضية والموضوع، والشعب الفلسطيني هو البداية والنهاية. بلاجئيه تحت الاحتلال أو في مخيمات الشتات، كما بنخبه السياسية والثقافية والاقتصادية ومناضليه المقاومين بالسلاح أو بغير السلاح. وقد أثبت شعب فلسطين هذه الحقيقة على الدوام، وحتى في عز الهزائم العربية من حوله…
فبالرغم من تصدعات الأيام السابقة وتراجعاتها وهزائمها، فلسطينيا وعربيا وحتى دوليا، أمكن الحركة الوطنية الفلسطينية تحقيق ما لا يعد من الانجازات في مشروعها لاستعادة الحقوق واقامة الدولة المستقلة. حدث ذلك في الفترة بين الطلقة الأولى في أول كانون الثاني 1965 وتوقيع الوثيقة الأولى مع دولة الاحتلال في العام 1993 (اتفاق أوسلو)، بينما كان العرب يتجرعون كؤوس الهزيمة (في حربي العام 1967 و1973، واجتياح لبنان في العام 1982). وهي كلها فوائض قوة للاحتلال، ونقاط ضعف للمشروع الوطني الفلسطيني. وحدث أيضا، بالرغم من انهيار أحد أعمدة الدعم الكبرى للمشروع بسقوط الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية وسيادة وحدانية القطب الأميركي على مدى العالم، وفي المنطقة تحديدا، ثم دخول العالم العربي في غيبوبة ومرحلة "حروب باردة" لا تزال مستمرة للآن. وهذه بدورها فوائض قوة أخرى للاحتلال، وعوامل اضعاف للمشروع الفلسطيني. سيقال، في البحث عن الأسباب التي أدت الى الطريق المسدود الذي وصل اليه المشروع في هذه المرحلة، انه التعنت الاسرائيلي أولا وقبل كل شيء.
لكن اسرائيل ليست الآن أقوى سياسيا وعسكريا، وفي العالم، مما كانت في السابق. الوضع العربي؟!، ليست حاله في هذه المرحلة أكثر ضعفا ووهنا مما كانت يومها. سياسات العالم الخارجي، والغربي منه بالذات، في تأييد اسرائيل ودعم مواقفها أيا كانت هذه المواقف وبكل الوسائل؟!، لكن هذا العالم، وبخاصة الولايات المتحدة في عهد رئيسها باراك أوباما، لم يكن أقرب الى الحقوق الفلسطينية والاعتراف بها مما هو في الفترة الراهنة.
واذا، فما هي الأسباب؟!، وأين هو مكمن العلة؟!.
غني عن البيان، أنه في سياق "العمل الفدائي" في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كما تحت عنوان "العمل السياسي والديبلوماسي" خلالها وبعدها في الثمانينات والتسعينات، كما في اطار "العمل المقاوم" في الداخل رفضا للاحتلال على الأرض ومن خلال انتفاضة "أطفال الحجارة" مطلع التسعينات، كان المشروع الوطني الفلسطيني في قمة قوته من جهة وذروة انجازاته من جهة ثانية. فضلا عن أنه كان شاغل الدنيا عمليا على اختلاف نزعات دولها ومصالح وارتباطات القوى السياسية الحاكمة فيها.
اذا، فلا حاجة الى تكرار القول ان العلة ليست في المشروع في حد ذاته، ولا هي في أحقية القضية التي رفعت الحركة الوطنية الفلسطينية لواءها وباتت شعوب العالم ودولها كلها على دراية بها وتصالح معها، وانما هي – من دون مجازفة في الكلام – في الحركة ذاتها. تلك التي حملت المشروع، تنظيمات متعددة ومتباينة الأدوات و"الارتباطات" في مرحلة أولى، ثم فصائل متقاتلة بالحديد والنار ودماء أخوة النضال في المرحلة الأخيرة.
ومن دون مجازفة كذلك، يقتضي القول إن مهمة هذه الحركة الملحة، بل المصيرية في هذه الفترة، هي اعادة انتاج الحركة الوطنية الفلسطينية في ضوء ما راكمت من خبرات، ان في مواجهة صلف وهمجية دولة الاحتلال (حرب غزة قبل عام من الآن، مثالا) أو في أسلوب التعامل مع القوى القادرة في العالم.
كيف؟!، لعل الموقف الذي اتخذه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قبل أسابيع، وأبلغ فيه العالم كله – وليس الشعب الفلسطيني فقط، كما اتهمه خصومه – بأنه لن يترشح لمنصبه مرة أخرى ما دامت القضية الفلسطينية تدور في حلقة مفرغة منذ ستة عشر عاما، يفسح في المجال أمام اعادة الانتاج هذه من خلال اعادة نظر شاملة في ما كان في الماضي وما ينبغي أن يكون في المستقبل.
لكن الخطوة الأولى، أيا كانت، لا بد من أن تبدأ باعادة توحيد الأرض (يا للمأساة!) التي تقبع تحت الاحتلال، لكي يمكن القول إن خطوة ثانية، أو خطوات، سيكون من شأنها اعادة وضع العالم أمام مسؤولياته تجاه الشعب الفلسطيني وانشاء دولته المستقلة ضمن حدود الرابع من حزيران العام 1967 بحسب العديد من قرارات الشرعية الدولية. ما يعرفه العالم جيدا، والشعب الفلسطيني أساسا، أن في أدراج قضية التوحيد هذه "ورقة مصرية" أمكن الوصول اليها بعد شهور من المفاوضات، وأن توقيعها من قبل حركة "حماس" توقف في آخر لحظة لأسباب لم يفهمها أحد بمن في ذلك راعي المفاوضات في القاهرة.
اذا أمكنت اعادة التوحيد هذه، بأية صيغة وتحت أية شروط، يكون من شأن خطوتين أخريين يجري الحديث عنهما الآن أن تشكلا الصدمة التي لم يعد بد منها لاعادة المشروع الفلسطيني الى قوته وزخمه السابقين. ليس على الساحة الدولية فقط، وانما أولا وقبل ذلك لدى الشعب الفلسطيني نفسه.
وهاتان الخطوتان هما أولا، مطالبة مجلس الأمن الدولي، أو الجمعية العمومية للأمم المتحدة اذا وقف "الفيتو" في الطريق، باعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي المعترف دوليا بأنها أراض محتلة منذ ما بعد حرب العام 1967، أي بالطريقة نفسها التي أعلن فيها قيام دولة اسرائيل في العام 1948. والثانية، اعلان حل السلطة الفلسطينية التي قامت نتيجة "اتفاقات أوسلو" وتفكيك أجهزتها السياسية والتشريعية والأمنية، خصوصا بعد كانون الثاني المقبل عندما ينتهي عمر المجلس التشريعي ومدة رئاسة محمود عباس، لتعود الأمور الى ما كانت عليه قبل ذلك : أرض وشعب تحت الاحتلال المباشر.
مما لا شك فيه أن هاتين الخطوتين، في حال اللجوء اليهما باجماع فلسطيني من ناحية وتأييد عربي ودولي (أو بعض دولي) من ناحية ثانية، ستشكلان "الصدمة" التي لا بد منها في المرحلة المقبلة. وبهما، لن يعاد تزخيم المشروع الفلسطيني على الصعيدين العربي والدولي فقط، بل أيضا والى جانبه اعادة انتاج الحركة الوطنية الفلسطينية التي أصيبت بما أصيبت به من عيوب، وحتى من علل وأوبئة سارية في المنطقة، في خلال الأعوام الأخيرة.
والسؤال: اذا لم يلجأ الشعب الفلسطيني الى مثل هذه "الصدمة"، للمجتمع الدولي وله بشكل خاص، فماذا عساه يكون مصير مشروعه الوطني في المستقبل؟!.
( صحافي)
"النهار"




















