نيويورك ـ سامر رزق
المستقبل
في 8 كانون الأول منذ ستين عاماً، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار إنشاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا). وبدلاً من إحياء العيد بتلقي الهبات والتبرعات الضرورية لعمل الوكالة فإن "الأونروا" تمر في أزمة تمويل تهدد موظفيها بعدم تلقي رواتبهم، وتضع برامج "الغوث والتشغيل" أمام عجز مالي غير مسبوق.
وتقدر الميزانية العادية النقدية والعينية للوكالة لفترة السنتين 2008 ـ 2009 بـ1093.2 مليون دولار. لكن الفجوة التمويلية لعام 2008 قاربت 97 مليوناً. وحتى منتصف أيلول (سبتمبر) 2009 بلغت الفجوة التمويلية 84 مليوناً. ولا يزال القلق يساور كبار مسؤولي الوكالة نظراً لما يترتب على عدم كفاية "المرافق المادية" من قيود على قدرتها على القيام بخدمات جيدة النوعية، وهم يتخوفون من أن تؤثر أوجه العجز المتكررة في ميزانية المشاريع سلباً على خدمات الوكالة المقدمة الى نحو 4.7 ملايين لاجئ فلسطيني يتوزعون على 59 مخيماً، 19 منها في الضفة الغربية، و12 في لبنان، و10 في الأردن، و9 في سوريا، و8 في غزة.
ويسود اقتناع في "الأونروا" بأن "التوجه الدولي السائد يفشل في، أو يرفض، منح قضية اللاجئين الاهتمام الذي تستحق". وتقول مفوضتها العامة كارين أبو زيد، التي تنهي ولايتها آخر العام الحالي، إن "نقطة الانطلاق التي ينبغي للسلام أن يبدأ منها (اللاجئين) غائبة عن جدول الأعمال الدولي ومركونة جانباً كواحدة من قضايا الوضع النهائي. وفيما تستمر حالات التشريد القسري في مختلف أنحاء الضفة الغربية، حيث يتم طرد الفلسطينيين من بيوتهم في القدس الشرقية، فإنني أطرح سؤالاً بسيطاً: ألم يحن الوقت بعد لأولئك المنخرطين في عملية السلام لحشد الإرادة والشجاعة لمعالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين؟". وليست أزمة الأونروا المالية سوى جزء من أزمة هؤلاء اللاجئين.
[الأزمة
ومما يجعل العجز المالي خطراً في شكل غير مسبوق أن "رأسمال الوكالة العامل"، الذي كان يستخدم دائماً لتعويض أي نقص في الإيرادات مقابل النفقات، لسنوات متعاقبة، منذ عام ، قد استُنفد الآن تماماً. وجددت "الأونروا" نداءها إلى المانحين لبذل مزيد من الجهود لتحقيق تمويل كامل لميزانية الصندوق العام، من منطلق أنها تمثل مصدر الخدمات الأساسية الرئيسي لعملها.
ويقول مدير مكتب الأونروا في مقر الأمم المتحدة في نيويورك آندرو ويتلي لـ"المستقبل"، إن "الدعم السياسي للأونروا جيد ولن نتوقع أفضل منه، لكن المشكلة تكمن في ترجمته تبرعات".
وتعتمد "الأونروا" على تبرعات عليها أن تجهد سنوياً للحصول على تعهدات باستمرار تدفقها، إضافة الى نسبة 5 في المئة من ميزانيتها تقدمها منظمة الأمم المتحدة.
وعانت الوكالة دورياً خلال الستين عاماً المنصرمة من أزمة الوفاء بالتعهدات التمويلية، لكنها استطاعت دوماً الالتفاف على مسارب الانفاق معتمدة على احتياطي نقدي كان عادة في حدود 60 مليون دولار، لكنه وصل السنة الحالية الى رقم مخيف هو صفر.
ويوضح ويتلي أن "كل احتياطنا المالي للسنة بكاملها الذي يغطي عمل ستة أسابيع من العمل اليومي قد اختفى".
وكان على "الأونروا" في السنوات الخمس الأخيرة أن تقضم من احتياطها النقدي لأسباب كثيرة منها نمو عدد اللاجئين وحاجاتهم، والتكاليف المترتبة على إغلاق معابر قطاع غزة والأزمة الإنسانية خلال حرب غزة الأخيرة وبعدها.
ويقدر العجز المالي لميزانية "الأعمال اليومية" الآن بنحو 12 مليون دولار. ويقول ويتلي: "ليس كبيراً جداً مقارنة بميزانيتنا الكاملة لكنه يسبب أزمة حقيقية قد تعني أننا لن نتمكن في ديسمبر من دفع رواتب 30 ألف موظف فلسطيني من أساتذة وأطباء وممرضين ومهندسين".
وتنشد الوكالة دوماً ما تطلق عليه إسم "الاستقرار المالي" الذي يمكنها من وضع آليات عمل طويلة المدى، إلا أن التأخر في الحصول على التعهدات ومن ثم سدادها يجعل ذلك بمثابة حلم. وجاء الإضراب الشامل لموظفي الوكالة في قطاع غزة والضفة الغربية، والجزئي في لبنان وسوريا والأردن، في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي ليجعل الأزمة أكثر إلحاحاً. ويطالب الموظفون بزيادة رواتبهم وتحسين مكافأة نهاية الخدمة لكن صندوق الأونروا فارغ.
ويحذر ويتلي من عواقب أزمة اجتماعية لآلاف الموظفين الفلسطينيين وأسرهم، فضلاً عن مترتبات عجز الوكالة عن القيام بعملها على وجه كامل. ويقول إن "الدول المضيفة للاجئين قلقة جداً وهي لن تود رؤية اضطرابات أو فوضى في مجتمعات اللاجئين في ظل إمكانية قطع بعض خدمات الأونروا".
[التمويل
تشكل الإسهامات الطوعية للحكومات والاتحاد الأوروبي نسبة 96 في المئة من إجمالي موارد الوكالة. وتصل معظم الإسهامات نقداً، و3.6 في المئة منها عيناً. وتتولى نسبة 5 في المئة من الدخل هيئات الأمم المتحدة لتغطية تكاليف الموظفين، بما فيها 119 وظيفة دولية. وأكبر المانحين للأونروا هم الولايات المتحدة والمفوضية الأوروبية وبريطانيا والدول الاسكندنافية واليابان وكندا. وتأتي تبرعات بسيطة من منظمات غير حكومية ومن بعض الأفراد.
وتتولى الدول العربية رسمياً تمويلاً يقل بقليل عن نسبة 1 في المئة من ميزانية الوكالة العامة رغم تعهدات القمم العربية دورياً بسداد نسبة 8 في المئة. لكن التمويل العربي يعوض من طريق تبرعات كبيرة من دول وقادة لصالح مشاريع غالباً ما تحمل أسماءهم. ومن المساهمات العربية الجيدة تلك التي خصصت لإعادة إعمار مخيمي جنين ونهر البارد.
[البارد
وتلقت "الأونروا" حتى الآن تعهدات بنحو ربع الميزانية الكاملة المطلوبة لإعادة إعمار مخيم نهر البارد بحسب ويتلي، وهي "كافية للبدء في أشغال المرحلة الأولى". ويضيف أن "الالتزام السياسي الذي أبداه رئيس الحكومة سعد الحريري بعد التزام سلفه فؤاد السنيورة بإعادة البناء قابلته الأونروا بامتنان بالغ". وأنجز القسم الأكبر من حل مشكلة الذخائر غير المنفجرة "بعد معالجة نحو 11 ألف جسم غير منفجر في المخيم المدمر".
ويشكو ويتلي من "استخدام بعض السياسيين حجة الآثار لعرقلة البناء" أملاً استمرار السلطات اللبنانية في التزامها حل هذه المشكلة.
[تكاليف حصار غزة
توضح فقرة من "تقرير الفريق العامل المعني بتمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى" في الأمم المتحدة، جزءاً من الآثار المالية لحصار غزة على "الأونروا" وتقول:
"الطريق المعتادة التي تسلكها الشحنات الإنسانية للوكالة إلى قطاع غزة هي من خلال معبر كارني .واستناداً إلى الاعتبارات الأمنية، أغلقت السلطات الإسرائيلية، خلال عامي 2008 و2009 ، معبر كارني أمام جميع الحاويات. وعليه، تعيّن إدخال شحنات الوكالة من خلال أي من معبري العودة (صوفا) أو كرم أبو سالم (كيريم شالوم)، وكلاهما غير مجهز لاستقبال الحاويات وأغلق كلاهما في وجه الواردات. ونظرًا إلى إغلاق معبر كارني في المقام الأول وإلى ضرورة نقل جميع شحنات الحاويات على منصات نقالة، بلغت مصروفات التشغيل الزائدة المستحقة على الوكالة في ما يتعلق بالتخزين وغرامات التأخير والنقل، والنقل على منصات، نحواً من 2.17 من ملايين الدولارات، وفي الأشهر الستة الأولى من عام 2009 وحدها، وصل مجموع رسوم التخزين ورسوم التأخير والنقل على منصات إلى نحو 2.85 مليون، وهو أكثر من كامل المبلغ المناظر(12 شهراً) في العام السابق" .
[عربة من دون وقود
ويصف ويتلي "الأونروا" حالياً بأنها "عربة تسير دون وقود.. فالأزمة ستستمر الى الربع الأول، أو النصف الأول، من السنة المقبلة بسبب بطء عملية الحصول على التمويل وعلى الأونروا الحصول على تعهدات جديدة، ولهذا سنبدأ من جديد السنة المقبلة من مستوى الصفر".




















