في تصريح أخير له، أكد نتنياهو أن إسرائيل، "هي الدولة الأكثر تعرضاً للأخطار والتهديدات في العالم"، ولفت الى أن إطلاق القذائف والصواريخ في اتجاه المدنيين يشكل "اعتداءات لم تتعرض لمثلها بلاد سوى بريطانيا العظمى في الحرب العالمية الثانية". ورأى الى أن اسرائيل تواجه أعداء "يهددون حياتنا وأمننا واستقرارنا، ومع ذلك، يحرّمون علينا حقنا في الدفاع عن أنفسنا"..
ومن على شاشة عريقة تصدّرت قائمة المؤتمرات الرئيسة في المقر العام لحزب "الليكود"، حيث تواجه أعداء "يهددون حياتنا وأمننا واستقرارنا، ومع ذلك، يحرمون علينا حقنا في الدفاع عن أنفسنا"..
وبلا أدنى شك أيضاً، يكذب نتنياهو في ما يدعيه ويراهن عليه لاكتساب الرأي العام العالمي وتصحيح صورته المزعومة على الصعيد الداخلي. ذلك أن الدولة العبرية تتفوق كثيراً على أعدائها من دول ومنظمات تتهمها بالإرهاب، على الصعيدين العسكري والأمني.. فهي الثكنة العسكرية الأقوى والأكثر تطوراً في المنطقة، ما يجعل صواريخ وقذائف المقاومة ألعاباً قياساً على ما تمتلكه من تقنيات تمكنها من حماية نفسها في كل الظروف، وبالتالي مواجهة أخطر التحديات.
هكذا تراءى لها حتى فترة قصيرة. لكنها سرعان ما وجدت نفسها تخوض مواجهات لم تعهدها من قبل في حروبها النظامة والكلاسيكية مع الجيوش العربية مجتمعة. خافت اسرائيل في السابق أن تخوض حرباً يحقق فيها أعداؤها أي نوع وحجم من الانتصارات العسكرية والديبلوماسية جراء الحروب المتعاقبة التي خاضتها على مدى نيف وسبعين سنة. اليوم تحوّل الصراع الى اتجاه آخر، وحيث تبين لاسرائيل "أن صواريخ المقاومة باتت تخترق قلبها وأطرافها وقادرة على ضرب ترسانتها العسكرية، براً وبحراً وجواً، ما جعلها وللمرة الأولى في تاريخها تخضع لوقف إطلاق النار، "بكلام للجنرال غادي إيزنكوت الذي أكد سقوط المعادلة السابقة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، و"حيث على قادة إسرائيل التنبه من الآن وصاعداً الى ما يمكن لهذه "المقاومات الشعبية" أن تلحقه بالبلاد من خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات ومدى انعكاس ذلك على وضعها الإقتصادي".
وما يحدث على الأرض يؤكد كلام الجنرال الإسرائيلي، فمنذ نحو عشر سنوات، تمكن الفلسطينيون من مواجهة الترسانة العسكرية الإسرائيلية باعتماد العمليات الاستشهادية. لكن أجهزة المخابرات الإسرائيلية، ومن خلال اختراقها بعض الأجهزة السياسية والعسكرية في الضفة الغربية، فضلاً عن بناء جدار العزل، توصلت الى الحد من عمليات "الكاميكاز" الى حد كبير، فبادرت الى اعتماد إطلاق الصواريخ والقذائف كوسيلة جديدة وفاعلة للمقاومة، أثبتت فعاليتها بجدارة في حرب صيف 2006 بين الجيش الإسرائيلي و"حزب الله"، وبناء لتقارير تل أبيب، أطلقت المقاومة في حينها 4200 صاروخ أدت الى مقتل عشرات الإسرائيليين. ولفتت التقارير الى أن المدن الإسرائيلية تعرّضت منذ العام 2001 لسقوط آلاف الصواريخ أطلقتها المقاومة في غزة، مخلفة وراءها عدداً من القتلى أضعاف ما كانت تحققه العمليات الاستشهادية.
وتبعاً لهذه المعلومات، يبدو توازن الرعب بين المقاومة والجيش الإسرائيلي هشاً، خصوصاً أن إيران دخلت بقوة في قلب الصراع العربي ـ الإسرائيلي عموماً والفلسطيني الإسرائيلي خصوصاً ـ وهذا ما كشف عنه نتنياهو في لقائه الأخير مع الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي أكّد لضيفه أن واشنطن لن تتردد في مواجهة العناد الإيراني بكل الوسائل المتوافرة، حتى العسكرية منها إذا تطلّب الأمر، "على أن تبقى تل أبيب خارج هذا الصراع، أقله في المرحلة الراهنة"، إعتباراً من رهان الإدارة الأميركية على أن المفاوضات مع طهران لن تطول الى ما بعد نهاية العام الحالي. ويبدو أن تفاؤل أوباما من قبيل التطمينات ليس أكثر، خصوصاً بعد تأكيد الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أن طهران سوف تمضي في استكمال مشروعها النووي مهما بلغت التحديات ومن أي جهة أتت.
ومهما يكن، فإن الاعتبارات الكثيرة التي تلفق في حرب إسرائيل على "حزب الله" ان القيادة العسكرية الإسرائيلية أسقطت من حسبانها حتى العام 2006 حجم الأخطار الناتجة عن إطلاق صواريخ الكاتيوشا. ويبدو أنها اليوم، وفي استعداداتها القائمة لمواجهة المقاومة، أسقطت هذه الأخطار لحساب غزو شامل لجنوب لبنان وبقاعه في حال اندفعت لحرب أخرى، انطلاقاً من قناعة باتت ثابتة لديها، بضرورة القضاء على "حزب الله" نهائياً. وهي الإستراتيجية نفسها التي سوف تعتمدها بحق المقاومة الفلسطينية في غزة في وقت لاحق، وإن كانت تضع المقاومة اللبنانية في رأس اهتماماتها، وما يدفع الى شبه قناعة على أن الحدود اللبنانية قابلة للاشتعال في ربيع العام المقبل، وفي أبعد تقدير في صيفه!
" المستقبل "




















