ملخص
لا تحسم الصراعات الكبرى بالقوة وحدها، بل بقدرة الأطراف على إدراك اللحظة التي يصبح فيها استمرار الصراع هو الهزيمة بعينها، لعدم تحمل الكُلف أكثر، وهو ما يمكن أن يتحقق بعد جولة جديدة من الحرب بينهما، إذ ربما تكون اللحظة المناسبة لإدراك الطرفين ضرورة إيجاد مخرج.
لماذا لم تنجح جولات الدبلوماسية بين إيران وترمب؟ ولماذا لم يتمكن رجل الصفقات ومؤلف كتاب “الصفقة” من إتمام صفقة ولو صغيرة مع طهران؟ ولماذا انتهت كل جولة تفاوض باستخدام القوة العسكرية؟ والسؤال الأهم: لماذا لم تتعاط إيران مع المطالب الأميركية في ظل تبادل المقترحات والرسائل؟
بالنظر إلى الإدارات الأميركية جميعها، نجد أن إيران تمكنت من التفاهم مع كل إدارة بدرجات متفاوتة، فكان هناك تفاهم مع إدارة الجمهوريين الجدد خلال إدارة جورج بوش الابن، عندما كان أحمدي نجاد رئيساً، وعلى رغم أن طهران كانت على قائمة الدول المخطط تغيير أنظمتها بالقوة العسكرية بعد أفغانستان والعراق، لكنها تمكنت من فتح قنوات تواصل مع واشنطن، ونسقت معها الأوضاع داخل أفغانستان والعراق بعد الغزو الأميركي لهما.
أما إدارة باراك أوباما فقد تمكنت من إتمام الاتفاق النووي مع إيران، وخاضت إدارة جو بايدن محادثات فيينا على أمل إحياء الاتفاق النووي التي توقفت بطلب إيراني ضمن المماطلة وكسب الوقت، ومع ذلك عقدت طهران وإدارة بايدن صفقة قصيرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 أفرجت بموجبها إيران عن بعض المسجونين الأميركيين مزدوجي الجنسية، في مقابل موافقة واشنطن على حصول طهران على بعض مستحقاتها المالية من العراق عبر قطر، وبعض الأموال المجمدة في بنوك كوريا الجنوبية.
أما دونالد ترمب فقد أعاد منذ ولايته الأولى (2017 – 2021) تشكيل المقاربة الأميركية تجاه إيران بصورة جذرية، واعتمد إستراتيجية الضغط الأقصى التي قامت على العقوبات الاقتصادية الخانقة، والانسحاب من الاتفاق النووي (JCPOA)، ومحاولة إعادة صياغة قواعد الاشتباك مع طهران، وفي ولايته الثانية أعاد تفعيل كثير من أدوات الضغط، وبالأساس العسكرية، وعلى رغم خوض جولتين من المفاوضات الأولى في أبريل (نيسان) 2025 والثانية في فبراير (شباط) 2026، لكن الملاحظ أن جولات التفاوض بين طهران وإدارة ترمب انتهت بشن حرب الـ12 يوماً ثم حرب الـ40 يوماً، بعد ساعات قليلة من فشل المحادثات.
وعلى رغم تقديم إيران وواشنطن مقترحات عدة لوضع إطار للمفاوضات، ومقترحات معدلة وتبادلاً للرسائل، ووجود وسطاء إقليميين عدة لعدم عودة الحرب التي توقفت بعد هدنة لوقف إطلاق النار في أبريل الماضي، عن طريق الوساطة الباكستانية، لكن أفق تسوية قريبة لا يتضح، بل إن التجهيزات العسكرية تزداد على نحو يشير إلى قرب إعادة الحرب بين إيران وواشنطن وإسرائيل.
خلال الإدارات السابقة، ما عدا إدارة ترمب، وصلت إيران وكل إدارة أميركية إلى لحظة محددة أدرك فيها الطرفان أنه لا بد من مخرج من التوتر القائم بينهما، نظراً إلى أن الصراع قد يصل إلى مرحلة يصعب معها تحمل أي منهما كُلفه، داخلياً أو خارجياً، ومن ثم إلى لحظة يدرك فيها الطرفان أن الألم متبادل، والأفضل البحث عن مخرج، فضلاً عن عامل آخر مهم وهو وجود مصالح مشتركة، مكنت الإدارات الأميركية تلك من التفاهم مع طهران، ومن ثم سهلت إتمام الاتفاقات بينهما وعقد صفقات على خلفية هذه المصالح في أفغانستان والعراق، ومحاربة “داعش”، وحتى بايدن الذي فشل في إعادة إحياء الاتفاق النووي كانت لديه مصلحة مرتبطة بوقف الدعم الإيراني لروسيا في أوكرانيا، على خلفية المسيّرات، انطلاقاً من تهديد الأمن الأوروبي الذي كانت الولايات الأميركية تعمل للحفاظ عليه، بعيداً من تهديد روسيا.
كانت الإدارات الأميركية تعتمد سياسة العقوبات، وبنت هيكلاً من العقوبات الذي كلما ازداد كانت إيران تسعى إلى إظهار المرونة لتخفيف تأثيراته، وترى أن استمرار العقوبات يفرض ضغطاً اقتصادياً وهيكلياً طويل الأمد، لذا فقد حرصت على الدبلوماسية والمفاوضات منذ عام 2003، وكانت الحكومات الأميركية المتعاقبة تفضل استخدام الضغط الاقتصادي كأداة لدفع طهران نحو اتفاق دبلوماسي، يمنعها من امتلاك سلاح نووي، وكانت هناك عتبة لا يجري تجاوزها من قبل الإدارات الأميركية عند التعامل مع إيران، وهي استخدام القوة العسكرية، فكان هناك دائماً سقف تخشى إيران إزعاج واشنطن بالاقتراب منه.
لكن ترمب أوصل السياسة الأميركية تجاه إيران إلى هذه العتبة، واستخدم الأداة العسكرية خلال حربين متتاليتين استهدفت إحداهما المنشآت النووية والأخرى إسقاط النظام، والقضاء على الصواريخ الباليستية، وهنا وصلت العلاقة بين إيران وترمب إلى حد هذه العتبة، لتعيش المنطقة حال ساعة الصفر في أية لحظة.
والأمر الآخر أن الصراع بين إيران وأميركا مع إسرائيل لم يحسم عسكرياً من قبل أي طرف، وإيران تدرك أنها لا تزال صامدة في وجه أعدائها، وأنها غير مضطرة إلى تقديم تنازلات، وعلى رغم كُلف التصعيد التي يصعب على الطرفين تحملها من استمرار الحرب، لكن يبدو أن الطرفين لم يدركا بعد أنه لا بد من مخرج للنزول عن سلم التصعيد، وعلى العكس فإن إيران ترى أنه يمكنها تحمل كُلف التصعيد أكثر من ذلك، ربما لأشهر أخرى، وأن عامل الوقت ليس في مصلحة ترمب، والكلفة على الرئيس الأميركي أعلى مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وكذلك تراهن طهران على الضغط أكثر عبر ورقة مضيق هرمز للتأثير في نتائج الانتخابات والاقتصاد العالمي.
إن شرط إدراك الطرفين الجمود المؤلم المتبادل للمأزق الحالي غير متوافر بالدرجة نفسها لديهما، وإيران تراهن على تحملها عكس ترمب، وكذلك فإن تجاوز ترمب لخط أحمر في السياسة الأميركية تجاه إيران، وهو الحرب أو الآلة العسكرية، دفعها إلى التعنت وعدم التنازل، وهنا تختفي اللحظة التي يتشارك فيها الطرفان الإدراك بأنه لا بد من إيجاد المخرج الآن.
من جهة أخرى يبدو أن إدارة ترمب ليس لديها إدراك بأن ثمة مساحة قد تتماس فيها المصالح الأميركية والإيرانية، لذا لا يتوافر لدى تلك الإدارة ما يجعلها تحاول التفاهم على نحو مرن لا يصطدم بما تعتبره إيران الخطوط الحمر لأمنها القومي، ومن ثم فإن حل أي صراع عبر التسوية السياسية يستلزم أن يدرك كل طرف أن استمرار الصراع يفرض كُلفاً أعلى من أية مكاسب محتملة، من دون وجود أفق واضح للنصر.
وفي هذه اللحظة فقط يصبح التفاوض ممكناً وذا معنى، أما بالنسبة إلى إيران فإنها تدرك أن استمرار الصراع قد يحقق لها مطالبها، على عكس المفاوضات التي يعرض خلالها ترمب ما تعتبره إيران يمس أمنها ومصالحها، بل ومكسب مضيق هرمز، أي أن الشرط الحاسم لا يزال غائباً، وهو الاعتراف المتبادل بأن الحل العسكري أو فرض الاستسلام غير ممكن، وبالتالي فإن الحاجة إلى طريق خروج متفق عليه، فلقد تجاوزت إيران وإدارة ترمب مرحلة ما قبل العتبة، وأصبحت العلاقة بينهما تعيش حال الصفر، ولم تعد هناك خطوط حمر تخشاها إيران، فأي فعل أميركي ستواجهه برد على المنطقة والاقتصاد العالمي، إذ ترى أن أية مرونة من قبلها ستعتبرها واشنطن ضعفاً.
لم يصل النظام الإيراني إلى نقطة الجمود المؤلم المتبادل، بالمعنى الذي يدفعه لتقديم تنازلات إستراتيجية، وبالتالي فإن فشل ترمب في تحويل الضغط العسكري إلى مسار تفاوضي مستقر، لأن أحد طرفي المعادلة لم يشعر بعد بأن استمرار الوضع الحالي غير قابل للتحمل.
لا تحسم الصراعات الكبرى بالقوة وحدها، بل بقدرة الأطراف على إدراك اللحظة التي يصبح فيها استمرار الصراع هو الهزيمة بعينها، لعدم تحمل الكُلف أكثر، وهو ما يمكن أن يتحقق بعد جولة جديدة من الحرب بينهما، ربما تكون اللحظة المناسبة لإدراك الطرفين ضرورة إيجاد المخرج.
- إندبندنت


























