لم يعد العراق ساحة نفوذ إيراني فحسب، ولا منطقة نفوذ أميركي فقط، بل تحوّل إلى مساحة رخوة تتقاطع فوقها وتحتها كل الحروب الإقليمية. ففي اليوم الذي أطلقت فيه فصائل عراقية موالية لإيران مسيّرات في اتجاه السعودية تحت عنوان “مساندة طهران”، كشفت تقارير صحيفتي “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال” الأميركيتين عن وجود قاعدة إسرائيلية سرية ثانية داخل الأراضي العراقية منذ أكثر من عام، واستُخدمت لدعم العمليات الحربية ضد إيران. وبين المشهدين تتكشّف الحقيقة الأكثر قسوة: العراق الذي أُريد له بعد 2003 أن يكون ساحة نفوذ لمحور معيّن، انتهى إلى بلد مستباح من جميع المحاور.
هذا الاختراق اللوجستي والعسكري، الذي طفا على السطح إثر مقتل راعٍ عراقي اقترب من أحد الموقعين بالصدفة، لا يبدو أنه يرتكز فقط على تفوق تكنولوجي، بل على معطى سياسي. فالقضية هنا لا تتعلق فقط بوجود قاعدة إسرائيلية مؤقتة في صحراء النجف أو الأنبار، ولا بمجرد اختراق استخباري عابر، بل بانهيار مفهوم السيادة نفسه. فالدولة التي لا تستطيع منع فصائل مرتبطة بالخارج من استخدام أراضيها لإرسال مسيّرات نحو دول الجوار، هي نفسها الدولة التي يُقال إن أجواءها فُتحت أو عُطّلت راداراتها لتسهيل عمليات عسكرية أجنبية فوق أراضيها. وفي الحالتين، يغيب القرار العراقي المستقل، وتصبح مؤسسات الدولة مجرد واجهة شكلية فوق توازنات تتحكم بها القوى الخارجية والسلاح الموازي.
لم يعد العراق ساحة نفوذ إيراني فحسب، ولا منطقة نفوذ أميركي فقط، بل تحوّل إلى مساحة رخوة تتقاطع فوقها وتحتها كل الحروب الإقليمية
التقارير التي تحدثت عن القواعد الإسرائيلية لا تكشف فقط تفوقًا عسكريًا أو استخباريًا إسرائيليًا، بل تفضح طبيعة النظام الأمني العراقي بعد الاحتلال الأميركي. فمنذ إسقاط نظام صدام حسين، لم يُبنَ العراق بوصفه دولة سيّدة مكتملة الأدوات، بل كمنظومة أمنية مرتبطة عضويًا بالولايات المتحدة، تعتمد على واشنطن في التسليح والمراقبة الجوية والاستخبارات، وحتى إدارة المجال الجوي. ولهذا لم يكن غريبًا أن تتحدث تقارير عن “إطفاء رادارات” أو عن غياب القدرة العراقية على رصد التحركات الجوية والعسكرية في عمق الصحراء الغربية.
المشكلة أن هذا الاعتماد الأمني ترافق، في الوقت نفسه، مع صعود نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران داخل مؤسسات الدولة نفسها. وهكذا نشأ نموذج عراقي شديد التناقض: جيش رسمي يعتمد على الأميركيين، وفصائل عقائدية مرتبطة بطهران، وسلطة سياسية تحاول التوفيق بين الطرفين من دون القدرة على فرض سيادة كاملة على أي منهما. ومع الوقت، تحوّل العراق إلى ساحة إدارة توازنات لا دولة قرار وطني.
منصة متناقضة تخدم مشروعين متحاربين معًا
الأخطر أن هذا الواقع خلق مفارقة عبثية: الفصائل الموالية لطهران تتصرف باعتبار العراق جزءًا من معركة إيران الإقليمية، فيما تستخدم إسرائيل ــ وفق ما تكشفه التقارير ــ الأراضي العراقية نفسها لتقليص المسافة نحو إيران وتنفيذ عمليات مرتبطة بالحرب ضدها. أي أن العراق تحوّل إلى منصة متناقضة تخدم المشروعين المتحاربين في آن واحد، من دون أن يملك القدرة على ضبط أي منهما.
لعل ما يكشف عمق الأزمة أن الحديث عن وجود قواعد إسرائيلية داخل العراق لم يعد يُستقبل بوصفه أمرًا مستحيلاً أو صادمًا بالكامل، بل كاحتمال قابل للتصديق في ظل بيئة أمنية وسياسية مفككة. فالصحراء العراقية الشاسعة، وضعف السيطرة المركزية، والانقسام داخل المؤسسة الأمنية، والتشابك بين النفوذ الأميركي والإيراني، كلها عوامل تجعل من العراق بيئة مثالية لحروب الظل والعمليات السرية.
كما أن إسرائيل، التي راكمت خلال السنوات الماضية خبرة واسعة في العمل داخل البيئات المعادية، لم تعد تعتمد فقط على التفوق الجوي التقليدي، بل على إنشاء شبكات ارتكاز لوجستي واستخباري متقدمة. وقد أظهرت الحرب الأخيرة مع إيران اتجاهًا إسرائيليًا متزايدًا نحو توسيع مساحات العمل الاستخباري في الدول المحيطة بإيران، سواء عبر الاختراقات البشرية، أو عبر التعاون غير المباشر مع بنى أمنية قائمة، أو عبر استثمار المظلات الأميركية العسكرية في المنطقة.
يبدو السجال العراقي الداخلي حول ما إذا كان ما جرى “تواطؤًا” أم “إهمالاً” سجالاً ناقصًا. فالمشكلة أعمق من حادثة قاعدة سرية أو اختراق أمني
ضياع السيادة في عراق الظلال
لكن الجانب الأخطر لا يتعلق فقط بإسرائيل أو الولايات المتحدة، بل بطبيعة النموذج العراقي نفسه. فبعد أكثر من عقدين على الاحتلال الأميركي، لا يزال العراق عاجزًا عن بناء مفهوم واضح للدولة الوطنية. إذ جرى تفكيك البنية المركزية القديمة من دون نجاح فعلي في بناء مؤسسات بديلة قوية. وبدلاً من قيام دولة تحتكر السلاح والسيادة، نشأ نظام هجين تتقاسم فيه السلطة الأحزاب الطائفية والفصائل المسلحة والقوى الخارجية.
هذا الواقع جعل العراق يبدو أحيانًا وكأنه “منطقة نفوذ مشتركة” أكثر منه دولة مستقلة. فالولايات المتحدة تملك النفوذ العسكري والتكنولوجي الأكبر، وإيران تملك النفوذ السياسي والفصائلي الأعمق، فيما تحاول قوى إقليمية ودولية أخرى التسلل عبر هذه الفجوات. وفي ظل هذا التشظي، تصبح السيادة العراقية مجرد مفهوم نظري أكثر منها واقعًا فعليًا.
ما يزيد المشهد خطورة أن العراق لم يعد يدفع ثمن هذا الانهيار وحده، بل بات مصدر تهديد مباشر للإقليم. فحين تنطلق مسيّرات من أراضيه في اتجاه جيرانه، أو في اتجاه أجزاء أخرى من أرضه، أو حين تتحول صحاريه إلى منصات دعم لحرب إسرائيلية على إيران، يصبح العراق نفسه جزءًا من معادلة عدم الاستقرار الإقليمي، لا مجرد ضحية لها. وهذا يضع بغداد أمام مأزق بالغ الحساسية: فهي، من جهة، تحتاج إلى الشراكة الأميركية اقتصاديًا وعسكريًا، ومن جهة أخرى تخشى انفجار مواجهة داخلية مع الفصائل الموالية لطهران التي تعتبر أي تقارب مع واشنطن أو الخليج تهديدًا مباشرًا لنفوذها.
لهذا يبدو السجال العراقي الداخلي حول ما إذا كان ما جرى “تواطؤًا” أم “إهمالاً” سجالاً ناقصًا. فالمشكلة أعمق من حادثة قاعدة سرية أو اختراق أمني. المشكلة أن العراق يعيش منذ سنوات أزمة سيادة بنيوية؛ دولة لا تتحكم بالكامل بحدودها، ولا بأجوائها، ولا حتى بالقرار المتعلق بالحرب والسلم على أراضيها.
النتيجة أن العراق، الذي كان يُفترض أن يستعيد عافيته بعد عقود من الحروب والحصار والاحتلال، يجد نفسه اليوم أقرب إلى جغرافيا مفتوحة للصراعات الدولية والإقليمية. الإيراني حاضر، والأميركي حاضر، والإسرائيلي حاضر، والفصائل حاضرة، لكن الدولة العراقية نفسها تبدو الغائب الأكبر.
- أساس ميديا























