بعد 60 ساعة من الرعب المتواصل انتهت محنة الرهائن في مومباي بتحرير 610 أشخاص، ولكن بسقوط 195 قتيلاً، بينهم 28 أجنبياً تسعة منهم اسرائيليون، وجرح 295 شخصاً ومقتل آخر المهاجمين. وفي حين اتجهت أصابع الاتهامات الهندية إلى جماعة "العسكر الطيبة" ومقرها باكستان والتي نفذت قبلاً هجمات كبيرة في نيودلهي أبرزها على البرلمان، تراجعت إسلام أباد في خطوة مفاجئة عن قرار إيفاد رئيس الاستخبارات العسكرية اللفتنانت جنرال احمد شجاع باشا إلى الهند، مرسلة بدلاً منه احد العاملين في الجهاز. ولنزع فتيل التوتر المتزايد بين الجارتين النوويتين، تعهد الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري اتخاذ "أسرع إجراء" في حال "ظهرت اي ادلة على اي فرد او جماعة في اي جزء من البلاد".
وبرزت في اسرائيل انتقادات للأداء الهندي في هذه المحنة.
واكدت الشرطة الهندية ان الاسلاميين الثلاثة الذين كانوا لا يزالون متحصنين في فندق "تاج محل" الفخم قتلوا صباحاً. وقال قائد شرطة مومباي حسن غفور :"كل العمليات انتهت. وقتل كل الارهابيين". وصرح قائد الحرس الوطني الهندي امام الفندق: "قلنا إن ثمة ثلاثة ارهابيين، ولدينا الآن ثلاث جثث. اننا نمشط الغرف واحدة بعد الاخرى للتأكد من ان الوضع آمن".
وتأكد مقتل 27 أجنبياً هم تسعة اسرائيليين وستة اميركيين وفرنسيان واوستراليان وكنديان وبريطاني وسنغافورية وياباني وايطالي وتايلاندية والماني ومواطن من جزر موريشيوس.
وقرب فندق "تاج محل" تظاهر 50 مدنياً ورددوا هتافات مناهضة لباكستان، ولوح أحدهم بعلم الهند.
وامام هذه الخسائر الكبيرة في الارواح، تحدثت محطات التلفزيون الهندية عن "11 ايلول هندي"، في اشارة الى الهجمات على واشنطن ونيويورك عام 2001، وعن انقاذ 610 أشخاص في فندقي "اوبيروي ترايدنت" و"تاج محل" والمركز اليهودي.
تسللوا قبل شهر
وقتل تسعة مهاجمين في عمليات القوات الخاصة الهندية وأوقف عاشر، كما قضى 15 من عناصر قوات الامن. وانتقدت الصحف الحكومة واجهزة الاستخبارات لانها لم تتحسب لهذه الهجمات المنسقة.
وأفادت مصادر في اجهزة الاستخبارات الهندية ان ثمانية من الاسلاميين المتطرفين تسللوا الى المدينة قبل شهر بصفة طلاب ماليزيين للقيام "بمهمات استطلاعية تمهيدا للهجمات"، واستأجروا منزلاً لتلك الغاية. وانضمت إليهم مجموعة ثانية وصلت إلى مومباي بحراً الأربعاء. وأوردت صحف أن عدداً منهم أقام في "تاج محل" قبل أيام أو أسابيع من الهجمات.
وأفاد أحد أفراد قوات الكوماندوس: "أحيانا كانوا يضاهوننا في القتال والحركة. هم إما جنود نظاميون في الجيش، أو أمضوا فترة طويلة في التدريبات الخاصة".
واعترف المسلح الموقوف بالانتماء إلى جماعة "العسكر الطيبة" التي تقاتل لاستقلال ولاية جامو وكشمير الهندية ذات الغالبية المسلمة والتي نفذت الهجوم على البرلمان الهندي في كانون الأول 2001. وقال إنهم ارادوا ان يسجلهم التاريخ على انهم النسخة الهندية من هجمات 11 ايلول، وأنهم "تأثروا" بتفجير فندق "ماريوت" في اسلام اباد في ايلول.
ورجّحت المصادر الاستخباراتية الهندية أن تكون أعمار المهاجمين بين 24 و30 سنة، وان يكونوا جميعاً تدربوا "بشكل ممتاز على التكتيك العسكري" في معسكرات خاصة وهم يتمتعون ببنية قوية، ولم تشر إلى جنسيتهم أو أماكن تدريبهم باعتبار ان تلك المعلومات "حساسة سياسياً"، في إشارة محتملة إلى كون باكستان الدولة التي تدربوا فيها أو انطلقوا منها. وقد "خزنوا كميات من الفاكهة المجففة واللوز لتأمين غذائهم"، مما يفسر تمكن بعضهم من مقاومة قوى الامن مدى 60 ساعة. وكانت في حوزتهم كميات كبيرة من الذخائر وأدوات متطورة، بينها أجهزة هاتف متصلة بالأقمار الاصطناعية، اي انهم كانوا على صلة بـ"دولة أجنبية".
وعقد رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ اجتماعاً مع مسؤولي الجيش والاستخبارات. وأفاد احد مستشاريه "ان رئيس الوزراء يريد تقريراً مفصلاً عن الهجمات الارهابية التي وقعت في مومباي كما يرغب في اتخاذ خطوات".
وتشتبه اجهزة مكافحة الارهاب الاميركية بضلوع "العسكر الطيبة" في الهجوم، وإن يكن "الامر يتخطى كون بعض خصائص الهجمات تطابق نوع العمليات التي قامت بها في الماضي مجموعات قادمة من كشمير"، على ما أفاد مسؤول اميركي.
باكستان
وبعد اجتماع خاص لمجلس الوزراء الباكستاني، أقر وزير الخارجية شاه محمود قرشي بأن "هذه لحظات حساسة. الموقف خطير. دعونا لا نخدع انفسنا عندما يشعر الناس في الهند انها11 ايلول بالنسبة إلى الهند". ولكن "من مصلحة باكستان ومن مصلحة الهند نزع فتيل الموقف. تهدئة التوتر ضروري". وأضاف ان"السلطات الهندية لم تتهم حكومة باكستان. انها تشتبه، واشدد على انها تشتبه، في مجموعات قد يكون لها وجود في باكستان. اننا نقول إنه اذا كان لديها معلومات او ادلة، عليها ان تطلعنا عليها. واذا كان احد ما او مجموعة ما ضالعة في هذا العمل الفظيع، فان حكومة باكستان ستتخذ اجراءات بحقها". وأكد :"اننا دولة مسؤولة وجار مسؤول، وسنتصرف ونتحرك بطريقة مسؤولة. ايدينا نظيفة… ليس لدينا ما نخفيه ولسنا في وضع دفاعي".
وقال زرداري لتلفزيون "سي إن إن – آي بي إن" الهندي إنه "اذا ظهرت اي ادلة تدين اي فرد او جماعة في اي جزء من البلاد، سأتخذ اسرع اجراء في ضوء الادلة وامام العالم". وأضاف: "ايا يكن المسؤولون عن هذا العمل البربري والوحشي بحق الشعب الهندي والهند، فانهم يسعون إلى إثارة رد فعل. علينا ان ننأى بانفسنا عنهم ونتصرف معاً، نحن وانتم والاسرة الدولية، بحيث لا يكون هناك رد فعل مبالغاً به".
وبعدما قرر زرداري الجمعة إيفاد احمد شجاع باشا إلى نيودلهي، أفاد مكتب رئيس الوزراء الباكستاني يوسف رضا جيلاني امس ان ممثلا لجهاز الاستخبارت العسكرية سيذهب الى الهند بدلا منه. وأثار هذا التحول تساؤلات حول الجهة المسؤولة عن الجهاز الذي يشبهه محللون بدولة يديرها العسكر داخل الدولة. وبرر الرئيس التراجع بأن الهند طلبت "مديراً" في الاستخبارات وليس "الرئيس".
وقال سيد صلاح الدين، وهو زعيم جماعة متشددة في كشمير الباكستانية، ان عملية مومباي "تستحق الاستنكار"، نافياً ان يكون اي من اعضاء تحالفه قد تورط فيها.
وقد اتصلت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس مرتين بزرداري ووزير الخارجية الهندي براناب موخيرجي لاحتواء التوتر المتصاعد بين البلدين.
اسرائيل
وأعلن السفير الاسرائيلي في الهند مارك سوفير ان تسعة يهود "ذبحوا" في المركز اليهودي فى مومباي، سبعة منهم إسرائيليون. بينما أكد الناطق باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية يغال بالمور "التعرف الى جثث ثمانية اسرائيليين، بعضهم يحمل الجنسيتين الاسرائيلية والاميركية". وأوضح أن "الثمانية قتلوا في بيت شاباد (المركز الديني لليهود المتشددين التابع لحركة تشاباد لوبافيتش). وتم التعرف على ضحية تاسعة هناك (في مومباي)، ولكن تبين بعد المعلومات الاولى انه لم يكن في مركز بيت شاباد ولم يكن على لائحة الاشخاص المختفين". وأضاف ان السلطات لا تزال تجهل مصير اربعة اسرائيليين آخرين كانوا في المنطقة لدى وقوع الهجمات.
ودعا مسؤول اسرائيلي الى تعزيز التعاون الدولي لمكافحة الارهاب بعد هجمات مومباي، لأنه "لم يعد اي بلد من الآن فصاعداً في منأى عن هجمات ارهابية" على نطاق واسع، وتالياً يجب ان تكون مكافحة الإرهاب "هدفاً رئيسياً للادارة الاميركية الجديدة" برئاسة الرئيس المنتخب باراك اوباما، محذرا من خطر "حصول جماعات ارهابية على اسلحة نووية".
وتخوف مسؤولون اسرائيليون آخرون من تعرض مراكز يهودية في العالم لهجمات، وانتقدوا عدم قبول السلطات الهندية عرض المساعدة الاسرائيلي. ودعا رئيس مكتب مكافحة الارهاب الكولونيل نيتزان نوريلي الاسرائيليين الى عدم التوجه الى بعض المناطق "مثل شمال الهند وكشمير". لكنه أضاف: "لا بد من الاعتراف في حالة مومباي بأن اجهزة استخباراتنا لا تملك معلومات كافية مسبقة (حول التحضيرات للهجمات)، ولا اجهزة الامن الهندية". وانتقد الرئيس السابق للاستخبارات الاسرائيلية "الموساد" داني ياتوم عجز اجهزة الامن الهندية على المستوى الاستخباراتي.
ورددت الصحف الاسرائيلية صدى الانتقادات حول قيادة العمليات لتحرير الرهائن، آخذة على الشرطة والجيش الهنديين شن الهجوم من دون اجراء مفاوضات صورية مع محتجزي الرهائن للحد من الخسائر في الارواح في صفوف المدنيين.
واشنطن
وأكد الرئيس الاميركي جورج بوش "دعم الولايات المتحدة الكامل للهند في سياق تحقيقها حول هذه الهجمات واحالة مرتكبيها على العدالة والحفاظ على نمط عيشها الديموقراطي"، مشدداً على ان "الارهاب لن تكون له الكلمة الاخيرة"، وذلك في كلمة ادلى بها في البيت الابيض. وأضاف :"الشعب الهندي مصمم، الشعب الهندي قوي. لقد بنوا ديموقراطية حية متعددة العرق وبامكانهم مقاومة هذا الامتحان. عاصمتهم الاقتصادية مومباي ستبقى مركز التجارة والازدهار. وحين يتعافى شعب اكبر ديموقراطية في العالم من هذه الاعتداءات، فإن في امكانه ان يعتمد على اقدم ديموقراطية في العالم لتبقى الى جانبه".
واشار بوش الى ان اجهزته اطلعت خلفه اوباما على آخر التطورات. وقد اتصل الرئيس المنتخب برئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ.
* في برلين، حذر وزير الخارجية الالماني فرانك – فالتر شتاينماير الهند من اطلاق "اتهامات متسرعة" لباكستان.
أ. ف. ب، رويترز، ي ب أ، أ ب



















