بغداد – مشرق عباس
مع مصادقة مجلس الرئاسة على الاتفاق الأمني مع الولايات المتحدة، تكون حسابات المكاسب والخسائر قد اكتملت لصالح ثلاثة اطراف يمثلون الطبقة السياسية الجديدة الحاكمة في العراق، والمتمثلة بـ «الائتلاف» الشيعي و «التحالف» الكردي و «التوافق» السنية.
يقول سياسي عراقي مطلع على مساومات الاشهر التي سبقت اقرار الاتفاق ان «الحسابات السياسية الداخلية اتخذت في الاعتبار، في وقت مبكر عراقيا واميركيا. وفيما كانت مواقف الكتل الثلاث تتبدل من مرحلة الى اخرى، لتوجيه الرأي العام وتحضيره لقبول النتائج النهائية، كانت السفارة الاميركية في بغداد تعمل على ان لا يسجل تمرير الاتفاق او رفضه انتخابيا وشعبيا لصالح كتلة على حساب الاخرى».
وكان التزام الطرف الكردي دعم الاتفاق في كل المراحل، على رغم اختلاف الظروف التي أحاطت المفاوضات، ينسجم مع اتجاهات الرأي العام الكردية التي ترى ان الوجود الاميركي يمثل دعامة لاستقرار اقليم كردستان.
ويؤكد السياسي الذي رفض الاشارة الى إسمه ان المشكلة الابرز كانت منذ البداية تتعلق بطريقة تمرير الاتفاق مع احتفاظ «الائتلاف» الشيعي و «التوافق» السنية بقاعدة جماهيرية تؤهلهما لحكم البلاد في المرحلة المقبلة، اوالمحافظة على ما حققتاه برلمانيا وحكومياً، على أقل تقدير، في ضوء اختبار انتخابات مجالس المحافظات التي تعقد بداية العام المقبل.
وكان موقف الحزبين الشيعيين الرئيسيين( المجلس الأعلى والدعوة) تطور، من رفض المسودات الأولى للاتفاق بحجة «الحفاظ على السيادة» الى الدفاع اللافت عن المسودة النهائية بحجة «ان العراق لا يملك خيارات افضل».
وفي المقابل، تطور موقف «التوافق» السنية (الحزب الاسلامي ومؤتمر اهل العراق وجبهة الحوار) من دعم الاتفاق تحت شعار»منع التفرد ( الشيعي) بالحكم ووقف التمدد الايراني في العراق» الى المعارضة والمطالبة بحزمة اصلاحات داخلية وبالاستفتاء الشعبي.
وفيما بدا للوهلة الاولى ان المواقف تتطور بتطور مسودات الاتفاق برزت الحسابات الداخلية لتطرح فرضية «تبادل الادوار» في جمع المكاسب على امتداد الاشهر المنصرمة. وتروج الحملات الدعائية اليوم ان فرض جدول زمني شامل للانسحاب، وتعديل المسودات الأميركية مرارا لضمان السيادة نسبياً، والاطلاع العراقي على تفاصيل عمل القوات الأميركية مكاسب كبيرة. ويحسب هذا «الإنجاز»، شعبيا، لصالح حزبي «الدعوة» و «المجلس الاعلى»، فيما يحسب للحزب «الاسلامي» فرضه آلية الاستفتاء الشعبي على الاتفاق قبل نهاية تموز (يوليو) المقبل على ان يضمن مؤتمر «أهل العراق» و «جبهة الحوار» تحقيق اصلاحات سياسية وتحريك ملف المعتقلين.
ويؤكد سياسيون ومحللون، واكبوا تطور المفاوضات، منذ النسخة الاولى للاتفاق، ان الجانب الاميركي طرح مسودات متحركة و «مبالغاً فيها» ليسمح للاطراف العراقية المختلفة تحقيق مكاسب بخفيض سقوفها. ويشير مراقبون إلى أن البيت الابيض كان متأكدا من تمرير الاتفاق، على رغم ان الاشهر القليلة الماضية كانت تعتبر مثل هذا الأمر مستحيلا في ضوء تباعد طروحات الجانبين.
ويقول المصدر العراقي ان الاتفاق مر بمرحلتين متوازيتين من التفاوض، احداهما كانت رسمية ومعلنة بين مفاوضين يمثلون الحكومتين الأميركية والعراقية، وأخرى كانت تدور بين السفارة الأميركية في بغداد وممثلي الاطراف السياسية الثلاثة، ركزت على الحسابات الداخلية والمراحل التي مر بها ولم تكن مفاجئة تماما للجانب الاميركي.
واحتفاظ السنة بورقة الضغط حتى الاسبوع الاخير قبل توقيع الاتفاق كان بناء على حسابات دقيقة متفق عليها مع الجانب الاميركي حالت دون ان تسجل مكاسب الاتفاق لصالح الأحزاب الشيعية والكردية حصراً او لرئيس الوزراء نوري المالكي.
وعلى الطرف الآخر من المعادلة، كان واضحاً ان إبعاد احزاب سياسية وكتل مثل كتلة الصدر و «الفضيلة» و «العراقية» و «العربية» عن دائرة اقتسام المكاسب في حال الموافقة على الاتفاق دفعها إلى اعلان رفضها له ضمن الحسابات السياسية نفسها فطروحات الاستفتاء الشعبي على الاتفاق كانت تشكل جوهر مطالبات اطراف سياسية ودينية مختلفة بينها تيار الصدر و «هيئة علماء المسلمين» ومرجعيات شيعية منذ بداية عام 2008 ، الا ان تحقيق هذا المطلب سجل لصالح «الحزب الإسلامي» حصرا بعد ان طرح شرط الاستفتاء قبل اسبوع فقط من تمرير الاتفاق في البرلمان.
وكان هذا المطلب، على رغم ما يشوبه من اشكالات فنية وسياسية، اول المطالب التي حسمت في مفاوضات اللحظة الاخيرة وتم الاتفاق عليه في جلسة واحدة بمباركة كردية وشيعية ظلت مطالب الاطراف السنية الاخرى تدور في حيز المفاوضات وتم تعديلها اخيرا.
ويكشف المصدر تفاصيل مفاوضات اللحظات الاخيرة فيقول ان الادارة الاميركية، على رغم الحاح عامل الوقت لم تكن تعارض آلية الاستفتاء.
ويتوقع محللون ان تستدعي ادارة التوازنات داخل العراق تعرض الاتفاق مرة اخرى لاختبار المساومات الانتخابية الداخلية والخارجية في نهاية تموز (يوليو) المقبل، حين تكون الاطراف السياسية منخرطة في الدعاية للانتخابات العامة المقرر أن تجري بعد الاستفتاء بشهرين.
"الحياة"




















