– 3 –
بانتصار الثورة وسقوط النظام وانكشاف عوراته فجأة، وتداعي أركانه بلا مقاومة، وتقزُّم الدور الإيراني وانكفائه، وتراجع الدور الروسي وتجميع قواته في حميميم وطرطوس، تداعت لجنة الاتصال العربية للاجتماع في العقبة، وانضمّت إليها دول أخرى على رأسها أميركا وتركيا وقطر والإمارات…، وممثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والجامعة العربية، ليكون بيان العقبة مُخرَجاً مُتوافَقاً على مبادئه، ومواكباً لتطوّرات المشهد السوري في ظروف متغيّرات عالمية جيوإستراتيجية، ومنعطَفاً حاسماً في تطوّر القضية السورية، يحول دون تمييعها، ويدفع بإلزام المتصارعين على الالتزام بتطبيق 2254، وهو ما كشف رؤىً مختلفة في الشارع السوري، بينما تتمركز سلطات إدارة العمليات على الأرض، وتتدافع القوى الإقليمية لإقرار أمر واقع جديد، ينقل سورية من الحالة الهشّة إلى الطبيعية أو الصلبة.
والمدقّق في الوضع الجيوسياسي، سيلفت انتباهه أن الاختلاف والخلاف في قراءة بيان العقبة، يشبه الاختلاف والخلاف في قراءة بيان فيينا2015 المتوافَق عليه، والذي كان 2254 من رَحمِه، بل يُخشى أن تكون هذه القراءات المتعارضة لبيان العقبة باباً لقرار أمميّ، يفتح الجرح السوري لقراءات وخلافات واختلافات، ربما تمتدّ عقداً جديداً من المعاناة والخسران.
فأمّا بعض مَن رفض فرأى فيه وضع سورية تحت الوصاية الدولية، لأنه غيّب السوريين من جهة، ويعتمد على تنفيذ 2254 الذي تغيّرت أطرافه من جهة أخرى، وثمة من قرأه استعجالاً لرسم سورية جديدة، تحقّق رغائب أطراف إقليمية، ترى فيها انتصاراً أو توسيعاً لمشروعها على حساب غيره، وآخرون رأوا أن بعض مواده غير صالحة بعدما سقط النظام، وغيرهم قال برميه خلف الظهور، وغيرهم قال بإبقاء ما يتماشى مع الوضع السياسي الراهن في المنطقة، واستصدار قرار جديد يرسم خارطة طريق، تملأ الفراغ السياسي، وتدير التنوّع السوري دون إقصاء، وتطمئن المكوّنات على حقوقها، وتضمن مشاركة الأقلّيات، وتتعاون مع المجتمع العربي والإقليمي والدولي فيما يساهم بالاستقرار والأمن، ويحفظ سيادتها ووحدتها.
وأمّا بعض مَن رأى العمل على تطبيقه، فاحتجّ بألّا شيء مقدّس، ويمكن تعديل بعض المواد، أو العمل على آليات مختلفة، تتماشى أو تتوافق أو تنسجم أو تتّسق، بل تطوّر الـ ـ2254 عبر حوار سوري وعربي ودولي، ممّا يساهم في خلق سورية المشتهاة، أو يساعد على مقاربة سورية المبتغاة.
سقوط النظام وانتصار السوريين بعد مئات آلاف الضحايا ودمار البنيان وتشريد المدنيين إلى كل جهات المعمورة، وعقوبات خانقة بدءاً بالجرائم ضد الإنسانية، مروراً بالاقتصاد، وانتهاء بالكبتاغون، ستصل فاتورته قرابة 800 مليار دولار، للإعمار واستعادة الحياة الطبيعة، والمعروف أن مَن يسدّد الفواتير، سيكون شريكاً في المرابح. وهنا ثمّة مَن يتساءل: هل من تأكيد على وصاية ما موثّقة بقرار أممي؟ وكذلك، مَن يريد تطبيق 2254 أو عدم تطبيقه، لن يقوم بعمل خيري، وأيّاً يكن موقعه في عالم اليوم، فهو يحتاج إلى ما يضمن التنفيذ وتحمُّل أكلاف عدم التطبيق.
سورية الجديدة التي نريدها، بل يريدها العالم، موحّدة حرة ديمقراطية، تستمدّ قوّتها من قوة شعبها، وتجمع كل مكوّناتها على عقد لا يقصي أحداً، وتستعيد عافيتها وقوتها ومنعتها بعد ستة عقود من أسدية صحّرت الاجتماع والسياسة والاقتصاد، وزرعت الخوف والتخلف والفوات والتجهيل، سورية دولة المواطنة والقانون، وتلعب دورها في صنع مستقبل واعد آمن مستقرّ للأجيال القادمة، فيكون انهيار الأسدية درساً وعبرة لكل طغاة الكون، وانتصار الشعب السوري رواية معجزة عبر التاريخ.
- كاتب سوري
























