ها هو عام يمضي على وجود الرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض، بعد أن كان قد أكثر من وعوده "التغييرية" أثناء حملته الانتخابية، ومن بين ذلك، بل وفي مقدمتها وعوده بمقاربة إيجاد حلول للقضية الفلسطينية، أي إيجاد حل أو تسوية لمسألة احتلال إسرائيل لأراض عربية منذ عام 1967، كون احتلالها لأراض فلسطينية منذ العام 1948، أصبح بالنسبة للعالم أو لبعضه من "حقائق" وجود الدول! وباتت إسرائيل رسميا عضوا معترفا به في الأمم المتحدة، فيما تواضع العرب وبعض الفلسطينيين للمناداة بإقامة دولة فلسطينية على الأراضي التي تم احتلالها عام 1967، وعلى مساحة من الأراضي لا تتجاوز 22 بالمائة من كامل مساحة فلسطين التاريخية.
مع ذلك، فإن الإسرائيليين على اختلافهم، جردوا سكاكينهم وأسلحتهم، وباشروا في مصادرة أي مكان يعجبهم ويخدم مصالحهم، في الضفة الغربية والقدس، وتحت حجج شتى، بعد أن عاثوا وما زالوا يعيثون فسادا وقتلا وتدميرا واعتداءا وحصارا وشن حملات حربية على قطاع غزة، قبل خروجهم منه عام 2005 وبعد ذلك. ووصلت المساحة التي تم مصادرتها، ليقام فوقها المستعمرات والجدار العازل والطرق الالتفافية والمعسكرات لقوى الجيش والأمن وغيرها، إلى نحو عشرة بالمائة من كامل مساحة الضفة والقدس، فيما أخذ عدد المستعمرين هناك يقترب من نحو نصف مليون مستعمر، في تلك المساحة الصغيرة التي يقطن فيها نحو مليوني فلسطيني.
هكذا دعا الرئيس الأميركي وما زال يدعو إلى تسوية سياسية، واستئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولكن حسب آخر طبعة من تصريحات مبعوثيه: (من دون شروط مسبقة)، وأنه ما زال على وعده ووعد سلفه الرئيس جورج بوش الإبن بإقامة دولة للفلسطينيين إلى جانب دولة إسرائيل. بعد أن كان في خطابه بجامعة القاهرة، قد حدد أنه لذلك يجب أن يتوقف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، حتى يواصل مساعيه للتوصل إلى تسوية سياسية، وهو لذلك بصدد "توجه تغييري" فيما يتعلق بالعلاقة مع المسلمين. حتى استبشر العالم خيرا بفعل ذلك الخطاب وتلك الوعود، إلاّ أن حساب البيدر لم يتوافق مع حساب الحقل.
وعلى الرغم من صدور قرارات أممية وتوصيات واتفاقات عدة منذ العام 1947 وحتى يومنا هذا، في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ومسائل عربية أخرى متصلة، كالقرار 181 الذي يتعلق بالتقسيم، والقرار 194 الذي نص على عودة اللاجئين، والقرارين 242 و338 الخاصين بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وما لحق ذلك، ثم مؤتمر مدريد واتفاقات أوسلو وقرارات اللجنة الرباعية الدولية، ونصوص خريطة الطريق ومؤتمرات شرم الشيخ ولقاء أنابوليس ومقرراتها وغيرها، مع ذلك فإن إسرائيل ما برحت ترفض اشتراطات الفلسطينيين عليها استئناف المفاوضات من حيث انتهت من قبل، وعليهم أن يأتوا إلى المفاوضات دون تحديد مرجعية لها، ودون المطالبة بوقف الاستيطان، والتسليم بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل.
والسؤال هنا: إذن على ماذا سيفاوض الفلسطينيون؟ في الوقت الذي بات يتضح فيه أن المطلوب من الفلسطينيين من قبل الحكومة اليمينية الأكثر تطرفا في التاريخ الإسرائيلي، مجرد العودة لاستئناف المصافحات، والتقاط الصور وتوقيع استسلام بشروط التخلي عن البلاد والناس، والنجاة بالأنفس الفردية، أو أن يتحولوا إلى خدم وسماسرة وشرطة للاحتلال.
وهكذا تراجع الرئيس أوباما عن وعود خطابه القاهري، لتفصح وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، في القدس ثم في واشنطن، تلاها مبعوثو الإدارة، بأن على الفلسطينيين العودة إلى طاولة المفاوضات بدون شروط مسبقة، على أن يستمر البناء الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس من دون اعتراض، وأن على من جاء مبعوثا طالبا تحديد مرجعية للمفاوضات، أو مذكرا بخطة السلام العربية، وغير ذلك، عليه انتظار صدور "ورقة الضمانات الأميركية" والتي ستراعي المصلحة الإسرائيلية أولا وأخيرا، وتراعي بطبيعة الحال التعقيدات والعقبات التي برزت في وجه الإدارة الأميركية.
إن ضررا أكيدا يمكن أن يقع في حال جرى استفزاز اللوبي الصهيوني في الداخل الأميركي، إذا ما فكر الرئيس أوباما بتجديد ولايته عام 2012، ولذلك فإن إدارته الديمقراطية أخذت تتحسب لهذا الأمر منذ الآن.. ولا شك إن الرئيس أوباما أظهر بعض النوايا الطيبة في خطابه بجامعة القاهرة تجاه العرب والمسلمين، وأجرى تعديلات هامة على خطاب الإدارة السابقة، إلاّ أن حسابات المصالح المنوه عنها وغيرها، أخذت بالتأثير الانحيازي، خصوصا وأن الولايات المتحدة وآليات اتخاذ القرارات فيها، لا تقتصر على مؤسسة الرئاسة فقط، هناك سلسلة من المؤسسات المتجذرة التي تقيس وتحدد مصالحها ومصالح الولايات وفق حسابات وتوجهات معقدة، وهي تمتلك آليات أكثر تعقيدا لإقرار أو تعديل أو التأثير بالسياسات العامة القومية.
"المستقبل"




















