ستُحدد الانتخابات البرلمانية العراقية، المقرر أن تجري يوم 7 آذار 2010، ما إذا كانت البلاد تتحرّك صوب توطيد دولة ديموقراطية مستقرة، أم تنزلق إلى اضطرابات عرقية. وكما هو معروف، يعاني العراق من تشرذم سياسي كبير، مع وجود 306 تيارات سياسية مُسجّلة لخوض المنافسة على 323 مقعداً فقط في مجلس النواب. ومن بين التيارات الـ 306، هناك 251 تشارك كجزء من قائمة أو ائتلاف، و55 فقط ليست متحالفة بصورة رسمية مع أي حزب آخر. كما ستشهد الانتخابات منافسة بين الأحزاب العلمانية والدينية، والائتلافات من مختلف الأحجام، والمرشحين المستقلين. وفي محافظات معينة، تحتدم التوترات العرقية و / أو السياسية، ويُرجّح أن تكون الفترة التي تسبق الانتخابات صعبة.
مع اقتراب دورة الانتخابات الثانية لمجلس النواب، يبدو السُنّة غير واثقين من الإستراتيجية التي ينبغي عليهم انتهاجها ومنقسمين على أنفسهم كما كانوا عامي 2004 و 2005. في السابق، جعلت مثل هذه المشاكل السُنّة ناقصي التمثيل ويشعرون حتماً بالامتعاض، كما أنها أيضاً قلّصت نفوذهم في البرلمان. وإذا ما استمرت التوجهات الراهنة، فثمة خطر أن يدوم هذا الوضع في المستقبل. فالسُنّة يشتتون جهودهم بطريقة يبدو معها أن الخلاف الحقيقي ليس حول أهداف وبرامج الحكم بقدر ماهو حول الطموحات الشخصية والعداوات المتبادلة. وفي حين أن المنظمات الشيعية والكردية تُعاني من مشاكل مماثلة، إلا إن النتيجة قد تكون أكثر خطورة بالنسبة إلى السُنّة. فالشيعة تحميهم، إلى حد ما، أعدادهم، والأكراد تحميهم حقيقة أنهم يلتفون في نهاية المطاف حول هدف الحكم الذاتي الكردي، مهما انقسموا في شأن هذه القضايا. بيد أن السُنّة يفتقرون إلى ميزة الأعْدَاد وإلى وجود هدف نهائي يوحّدهم.
التجمعات السياسية السُنّية
في إطار التحضير لانتخابات العام 2005، تمكّن الساسة السُنّة من التوحّد في تجمعين عريضين، هما جبهة التوافق العراقية، أو التوافق، التي حصدت 44 مقعداً في مجلس النواب، والجبهة العراقية للحوار الوطني، وهو الحزب الذي حصل على 11 مقعداً. لكن العديد من السُنّة من ذوي النفوذ ظلوا على هامش العملية السياسية، إما لأنهم كانوا منبوذين، كما هي حال البعثيين السابقين، أو لأنهم اختاروا مقاومة العملية المدعومة من الولايات المتحدة. وهذا أدى إلى إضعاف مشاركة السُنّة.
كان التجمعان السنيان المُمثلان في البرلمان حصيلة تحالف مصلحي انتخابي أساساً، أكثر من كونهما حزبين يمثلان تيارات إيديولوجية أومطالب سياسية واضحة. كما اجتذبت جبهة التوافق، التي يُهيمن عليها الحزب الإسلامي العراقي، عدداً من المنظمات العلمانية التي هرعت إلى جبهة التوافق لعدم وجود بدائل أفضل. وقد تم تشكيل الجبهة العراقية للحوار الوطني على يد صالح المطلك، البعثي السابق الذي كان ترك الحزب في السبعينات من القرن الماضي. وفي العام 2005، أصبح المطلك عضواً في اللجنة المكلّفة صياغة مسودة الدستور العراقي، لكنه في النهاية رفض هذه المسودة التي دعت إلى تشكيل حكومة مركزية ضعيفة، ومنطقة حكم ذاتي كردية، وفتح الطريق أمام تشكيل مناطق حكم ذاتي أخرى.وقد أيّد المطلك والجبهة العراقية للحوار الوطني، بدلاً من ذلك، استعادة الدولة العراقية المركزية القوية. كما عارضا الحزب الإسلامي العراقي، الذي اعتبرا أنه تم احتواؤه من قبل الحكومة. والحزب لايزال متماسكاً إلى حد كبير، وقد انضم إلى الائتلاف الوطني العراقي.
انهارت جبهة التوافق في العام 2008 بسبب الخلاف المتزايد بين الحزب الإسلامي العراقي والساسة العلمانيين الذين كانوا انضموا في البداية إلى الائتلاف. وفي الوقت نفسه، بدأ الحزب الإسلامي العراقي نفسه يخسر أعضاءه ثم انقسم في نهاية المطاف. فقد استقال طارق الهاشمي، رئيس الحزب وأحد نائبي الرئيس العراقي، من تلقاء نفسه ثم شكّل حزبه الخاص: حزب التجديد. وهناك عدد من الشخصيات البارزة التي تركت أيضاً جبهة التوافق، فضلاً عن مجلس الحوار الوطني العراقي الذي انشق عن جبهة التوافق وانقسم بعد ذلك: فشكّل رئيس البرلمان السابق وعضو مجلس الحوار الوطني العراقي محمود المشهداني ائتلافه الخاص، والذي لايزال صغيراً جداً وغير مهم. كما تركت شخصيات بارزة أخرى جبهة التوافق. وفي حين كانت التحالفات القديمة تنهار، بدأت قوى سُنّية جديدة تكتسب أهمية، حين أصبح الأفراد والعناصر القبلية الذين كانوا يدعمون في البداية تنظيم "القاعدة" غير راضين عنه، وانضموا بدلاً من ذلك إلى جهود الولايات المتحدة الرامية إلى القضاء على هذا التنظيم. وكان تشكيل مجلس إنقاذ الأنبار ومجالس الصحوة القبلية بمثابة نقطة تحوّل في الحرب، ماجعل "القاعدة" قيد السيطرة وقلّص من مستوى العنف في البلاد. كما أدى ذلك أيضاً إلى ولادة قوى سياسية جديدة من السُنّة لها طموحاتها السياسية الخاصة وتعارض بشدة أيضاً الحزب الإسلامي العراقي. بيد أن مجالس الصحوة لم تتمكن من تشكيل جبهة موحّدة سياسياً، وانضم مختلف زعمائها إلى تحالفات متباينة.
انقسامات حول التكتيكات: أزمة قانون الانتخابات
السُنّة مُوحّدون في استيائهم مما يعتبرونه نقصاً في تمثيلهم في النظام السياسي، لكن يصعب كثيراً تحديد ما إذا كان تمثيل السُنّة في الواقع ناقصاً؛ وإذا ما كانت هذه هي الحال، يصعب أيضاً معرفة ما إذا كان هذا نتيجة نظام متراصف ضدهم أو لتدني مستوى مشاركتهم في الانتخابات. وإلى أن يُجري العراق تعداداً للسكان، وهو ماسيكون صعباً جداً لأن أعداد السكان قضية حساسة للغاية في المجتمعات المنقسمة على نفسها، فإنه لايمكن التحقق بسهولة من الادعاءات بضعف التمثيل أو زيادته.
هذه المظْلَمَة دفعت نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي إلى استخدام حق النقض (الفيتو) ضد قانون الانتخابات الذي صوّت عليه البرلمان في 18 تشرين الثاني، على أساس أنه لم يُوفّر تمثيلاً كافياً للعراقيين في الخارج. لكن من سوء حظ السُنّة أن الهاشمي، باستخدامه حق النقض ضد القانون، أعطى مجلس النواب الفرصة للعدول عن قراره السماح للجنة الانتخابات العراقية العليا لتقرر كيفية تقسيم المقاعد بين المحافظات. ووفقاً للأكراد، كانت المفوضية اقترحت إعادة توزيع مواتية للسنة وغير مواتية الأكراد. وبعد استخدام حق النقض، صوّت البرلمان على تعديل لقانون الانتخاب زاد بموجبه المقاعد المخصصة لجميع المحافظات بالنسبة نفسها، وبالتالي جرّد السُنّة من الميزة التي أصبحت حقاً لهم بموجب أرقام المفوضية العليا للانتخابات.
على رغم أن الساسة السنّة يتفقون على أن طائفتهم تستحق تمثيلاً أفضل، إلى أن العديد منهم اتهموا الهاشمي بالتسبّب في الهزيمة باستخدام حق النقض ضد المسودة الأولى للقانون، وكانوا منقسمين بشأن تهديده باستخدام حق النقض ضد القانون المُعدّل أيضاً. ولم تظهر الطائفة السُنّية توحداً أو إستراتيجية في شأن كيفية المضي قدماً في هذه المسألة. وبعدها تمت تسوية مسألة قانون الانتخابات واستخدام حق النقض عندما توصل المشترعون، قبل دقائق من الموعد المحدد منتصف ليل يوم الإثنين 7 كانون الثاني، إلى اتفاق أخذ في الاعتبار مطالب الهاشمي الأصلية. إذ تم حل مسألة توزيع المقاعد من خلال زيادة عددها بواقع ثلاثة مقاعد لتصبح 325. المقاعد الإضافية الثلاثة ستذهب إلى المحافظات الكردية، وسوف يتم توزيع الباقي على النحو الذي حددته لجنة الانتخابات العليا العراقية قبل استخدام الهاشمي حق النقض. وهذا يعني أن المحافظات السُنّية ستشهد زيادة كبيرة في عدد المقاعد عن أرقام العام 2005، ولكن الأكراد سوف يحصلون على زيادة أيضاً. وسيكون عدد المقاعد التعويضية خمسة عشر مقعداً، مع تخصيص ثمانية مقاعد للأقليات. وسوف يصوّت العراقيون المقيمون في الخارج لمصلحة ممثلي محافظاتهم الأصلية ، مع عدم تخصيص مقاعد خاصة لهم.
الاصطفاف الحالي
للمنظمات السُنّية
حلّت محل التجمعين اللذين مثّلا السُنّة في انتخابات العام 2005 وما بعده تركيبة أكثر تشتتاً وتعقيداً من القوى السياسية:
لايزال الحزب الإسلامي العراقي هو العضو المهيمن في تحالف يقتصر على السُنّة في شكل حصري تقريباً هو جبهة التوافق العراقية، لكن الكثير من أعضاء الجبهة البارزين ذهبوا كل في سبيله. ونتيجة لذلك فإن جبهة التوافق العراقية قد لاتجتذب عدداً كبيراً من الأصوات.
كانت الجبهة العراقية للحوار الوطني بزعامة صالح المطلك وحزب التجديد بزعامة طارق الهاشمي قد انضما إلى رئيس الوزراء السابق إياد علاوي، وهو شيعي، في الحركة الوطنية العراقية. وهي ائتلاف غير طائفي يلعب السُنّة فيه دوراً مهماً. بيد أن الحظ لم يحالف إياد علاوي في انتخابات العام 2005، ونجاح الحركة الوطنية العراقية قد يعتمد اعتماداً كبيراً على جاذبية شركائه السُنّة.
انضم عدد من الشخصيات السُنّية البارزة، بما في ذلك رئيس البرلمان عبدالغفور السامرائي ووزير الدفاع سعدون الدليمي، ورئيس مجالس الصحوة في العراق، أحمد أبو ريشة، إلى ائتلاف وحدة العراق، الذي لايزال يغلب عليه السُنّة.
لم تنضم سوى تجمعات سنية صغيرة إلى ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي من المرجح أن يحقق نتائج جيدة في الانتخابات بحكم تولي المالكي منصبه. وفي حين غازل المالكي الجماعات السُنّية الصغيرة، فإنه كان عدائياً جداً تجاه المجموعات التي قد تشكل تحدّياً حقيقياً لائتلافه، فقد هاجم الحركة الوطنية العراقية على وجه الخصوص، وبالتالي صالح المطلك، متهماً إياها بأن لديها أجندة بعثية.
انضم مجلس إنقاذ الأنبار إلى الائتلاف الوطني العراقي وكله شيعي تقريباً، حيث من غير المرجح أن يكون له تأثير كبير. ولم ينضم محمود المشهداني، رئيس البرلمان السابق وعضو جبهة التوافق، إلى أي تحالف لكنه شكّل تحالفه الصغير وربما غير المهم.
إعادة اصطفاف القوى السُنّية هذه تحتمل تفسيرين اثنين. من الناحية الإيجابية، هي قد تشير إلى وجود جهد حقيقي من قبل السُنّة ليصبحوا أكثر اندماجاً في النظام السياسي، ويتواصلوا عبر الانقسام الطائفي الذي يدَّعون جميعاً أنهم يرفضونه. ومن الناحية الإيجابية أيضاً، يمكن أن ينظر إلى عملية إعادة الاصطفاف هذه على أنها جهد لضمان أن يكون هناك تمثيل ملائم للسنة بغض النظر عمن يفوز في الانتخابات.
على الجانب السلبي، فإن إعادة الاصطفاف هي أيضا نتيجة الطموحات الشخصية التي لاتزال تخلق انقسامات عميقة بين زعماء السُنّة. تلك الخصومات الشخصية، فضلاً عن رفض واسع النطاق من جانب الكثيرين العمل مع الحزب الإسلامي العراقي، تؤدي بالعرب السُنّة للانضمام إلى تحالفات مختلفة، ليس لأنهم يشتركون مع ائتلاف بعينه في الأهداف، ولكن لأن الأحزاب السُنّية المتنافسة انضمت إلى جماعات أخرى.
(الدكتورة مارينا أتاواي هي المسؤولة الاولى عن برنامج مؤسسة كارنيجي في الشرق الاوسط وضيفة دائمة في "قضايا النهار" سبق لها ان ساهمت في عدد من المحاور في الصفحة – اما دانيال قيسي فهو زميل في برنامج الشرق الاوسط في "كارنيجي")
"النهار"




















