قد ترفع أية موجة مد قوية القوارب كافة، باستثناء تلك القابعة في القاع بالطبع، ولكن كما تعلمنا في غضون السنة الماضية، فإن إعادة تعويم اليخوت لا يولّد المد.
وسواء تحت حكم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، أو الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما، كرر رئيس الاحتياطي الفيدرالي بن برنانكي، ووزيرا الخزانة السابق والحالي، هانك بولسون وتيم غاثنر، الحجة الثابتة نفسها.
وقالوا إنهم اضطروا لإعادة إنعاش البنوك، لأن التمويل يمثل شريان الحياة بالنسبة للاقتصاد الأميركي، فإذا هوت البنوك فسوف يتوقف التمويل، وينتهي الاقتصاد.
وذكروا أنهم لم ينقذوا البنوك لتخليصها من ضائقتها الاقتصادية، ولكن لإنقاذ الاقتصاد الواقعي. لذلك قاموا بضخ مليارات الدولارات في البنوك، وولدوا التريليونات على شكل معونات حكومية ومبادلات تجارية، كما أبقوا معدلات الفوائد قريبة من الصفر لدعم البنوك، وإيجاد توازن في المدفوعات التجارية، والحيلولة دون حدوث انهيار مالي.
وقد نجح هذا الأسلوب بالطريقة السائدة، فعادت البنوك إلى نشاطها وحققت أرباحا، وتستعد للإعلان عن منح علاوات سخية تتجاوز ملايين عدة، لأبرز مسؤوليها التنفيذيين.
غير أن إعادة تعويم البنوك لم تولد المد المرتقب، فالبطالة تضاعفت أرقامها ولا تزال، كما يزداد معدل حبس الرهن العقاري، والإفلاسات الفردية سجلت أرقاما قياسية، والدخل ما زال يراوح مكانه أو يسوء.
وستكون أزمات الميزانيات الحكومية والمحلية في أسوأ حال هذا العام، مقارنة بالعام المنصرم، مع تزايد الاقتطاعات في الميزانية وتسريح العمالة. ولن تتعافى العائلات الأميركية، حتى لو أعلن الخبراء الاقتصاديون عن تعافي الاقتصاد.
وحتما هناك فض اشتباك أساسي، ولا يمكن إنعاش الاقتصاد بدون نظام مالي فعال، غير أن البنوك تستطيع الاستفادة لأعلى مستوى، دون أن يستفيد الأميركيون. وتستطيع البنوك اقتراض المال بدون فائدة من الاحتياطي الفيدرالي، وإجراء عمليات شراء في أسواق المال المتنامية في الخارج.
وبإمكانها الاستثمار في الشركات التي تنقل أعمالها إلى بعض المناطق النامية كالصين. وبإمكانها تحقيق أرباح بالمضاربات السريعة في أسواق الأسهم والسندات المالية، والتي لا علاقة لها بمد الشركات الصغيرة بالتمويل الذي تحتاجه.
لذلك تستطيع البنوك الحصول على المال، لكن الاقتصاد الأميركي لا يستفيد من ذلك كثيرا. وما زالت الشركات الصغيرة عاجزة عن الحصول على القروض المالية، وما زالت البنوك تقاوم مراجعة الرهونات العقارية، لذلك ما زال حبس الرهن العقاري في ارتفاع، و«وول ستريت» آخذ في الانتعاش، بينما يفتقر باقي البلاد إليه. ولهذا السبب يبدو الجدل المحتدم في الكونغرس حول الوظائف والإصلاح المالي، في غاية الأهمية.
ولا يكفي تفعيل النظام المالي، ولكن علينا تشغيل الأميركيين. ولن توظف الشركات أي شخص قبل أن ترى الزبائن. ولن تتوقف الولايات والشركات ومراكز العمل عن تسريح موظفيها، إلا بعد أن ترى دخل الضرائب.
ولن يحدث أي شيء من هذا القبيل، ما لم يذهب الناس إلى أعمالهم. لكن الانهيار المالي كلف الأميركيين حرفيا تريليونات الدولارات. ويشد المستهلكون الآن الأحزمة على البطون، ولذلك فإنه للتخلص من تأثير الكساد الكبير، تحتاج الحكومة الأميركية لتشغيل الأميركيين.
وإبرام العقود لحماية المباني الحكومية، وصيانة شبكات الصرف الصحي، وإصلاح المدارس وتوسيع الحدائق العامة. وهناك الكثير من العمل الذي يحتاج للتنفيذ ويتطلب التمويل العام، وقد آن الأوان للقيام ذلك.
ولا بد أن تكون هناك جهود لتطبيق قوانين الحقوق المدنية، فأحد الأسباب التي ساهمت في حدوث الانهيار المالي، هو أن وسائل الحماية الأساسية من التمييز العنصري لم تطبق، لذلك استطاعت البنوك استهداف أحياء الأقليات التي اعتادت تجاهلها في السابق، ومنح السماسرة حوافز لبيع الرهونات العقارية، بمعدلات فوائد متزايدة ومدفوعات كبيرة، حتى عندما علمت أن المدينين ليست لديهم فرصة لتسديد القروض.
وفي مجلس الشيوخ أقرت الخطوات الأولى المتعلقة بالإصلاحات المالية، دون تصويت الجمهوريين. لكن هذه ليست مسائل حزبية، فالمحافظون والليبراليون والولايات الحمراء والزرقاء، يراهنون جميعا على إيجاد نظام مالي فعال لدعم الاقتصاد الحقيقي، وليس المضاربة بالفوائض.
وكما اعترف رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق آلان غرينسبان، فإنه قد ثبت خطأ فكرة أن الأسواق تنظم وتدير نفسها بتكلفة باهظة. وعلينا سن قوانين جديدة على هذا المنوال.
لم يتعد ذلك هذا الحد حتى الآن، فالبنوك الكبيرة تخرج من الأزمات أكثر تركيزا من أي وقت سابق، وقد أبلغت بأنها أكبر من أن تفشل، ولكن لا حدود للرهان على فشلها.
وهذا يعني أنها تستحوذ على الأرباح في حال نجاحها، بينما يتعين على دافعي الضرائب إزالة الفوضى والإشكالات في حال فشلها. وهذا أشبه ما يكون بإعطاء السائقين زجاجات الكحول، بينما يعرضون عليهم التأمين على أية أضرار تصيب مركباتهم. وقد تكون هذه القيادة مثيرة، لكن حتما ستليها التصدعات.
مرشح سابق للرئاسة الأميركية
opinion@albayan.ae
"البيان"




















