لا يمكن القول إن هناك الكثير من المخاطر المتعلقة بالدول العشر الأكثر بروزا في العالم، خلال عام 2010، ولكن الاتجاهات التي يمكن رصدها في تركيا تدعو للقلق بما فيه الكفاية، بحيث ان المراقب لتطورات الساحة الدولية، لا يملك إلا التوقف طويلا عند ما يجري في تركيا.
على الصعيد الداخلي، فإن حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي يتزايد افتقاره للشعبية، يواجه النتائج المترتبة على التردي الاقتصادي، ويتخبط في صراعات معقدة ومتداخلة مع السلطة القضائية ورجال الصناعة والعسكريين.
وقد منيت بالإخفاق محاولة الحزب شراء بعض التأييد من أكراد تركيا، الأمر الذي يعرض الحزب ليس لخسارة الأكراد فحسب، وإنما لخسارة الكثير من الأتراك، إذا حدث المزيد من فقدان الاستقرار نتيجة لذلك، وهو الأمر الذي يبدو محتمل الحدوث.
وفي غضون ذلك، هناك الكثير من الضغط السياسي المتفاقم داخل الحزب الحاكم، للحفاظ على القوى الإسلامية التي يمكن أن تنفصل عنه، وصياغة سياسات تخاطب قاعدة الحزب بصورة أكبر.
وفي الوقت الحالي يبتعد التوجه الدولي من جانب تركيا عن أوروبا، ويقترب من إيران وسوريا، الأمر الذي يعمق من تزايد الخلافات بين العلمانيين والإسلاميين في تركيا. وبينما لن تتغير وضعية تركيا كدولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي في 2010، فإن تهديد المواجهة يظل قائما، خاصة وأن المفاوضات حول قبرص التي بدا أنها تنطلق على قضبان قوية، تبدو الآن مرشحة للخروج عن المسار.
ويتمثل النجاح الدبلوماسي الذي حققه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في التعامل مع أرمينيا، وهو أمر مهم على الصعيد التاريخي، ولكنه ليس كذلك بالنسبة لعلاقة تركيا مع دائنيها في صندوق النقد الدولي، كما أن وضعية الشمال العراقي ذي الأغلبية الكردية، الواقع على الجانب الآخر من حدود تركيا، لا تزال قلقة.
وباختصار، فإن المخاطر تكتنف تركيا من كل الجوانب على وجه التقريب، ومع نهاية العام الحالي فإن الصراع سيحتدم حول الانتخابات المقرر إجراؤها العام المقبل، وخلافا للوضع في دول أخرى كثيرة، فإن عام 2011 لا يبدو عاما واعدا بالنسبة لتركيا.
وبالنسبة للعراق فإن الانتخابات المقرر إجراؤها في مارس المقبل ستشعل شرارة العنف، مع وجود محاولات لتقويض عملية التحول إلى السيادة الوطنية العراقية، ومن شأن انسحاب القوات الأميركية الذي سيبدأ بعد الانتخابات مباشرة، أن يدعو إلى المزيد من العنف. ولكن بالمقارنة مع ما شهده العراق من قبل وما كان يمكن أن يحدث، فإن المشهد الكلي يبدو إيجابيا على نحو ملحوظ، وبالنسبة إلى الأسواق فإن العراق يعد واعدا بالفرص بصورة فجائية.
إن المؤسسات العراقية تغدو شرعية، حتى على الرغم من القضية الكردية التي لم تحسم، والجيش العراقي يبدأ في العمل، والأمر الأكثر أهمية أن القادة السياسيين من مختلف الطوائف يبدأون في إدراك قيمة قاعدة العراق من الموارد الطبيعية الهائلة، التي يمكن للجميع الاستفادة منها، إذا توصلوا إلى الحلول الوسط الضرورية للحفاظ على استقرار البلاد.
وعلى الرغم من كل المشكلات المتعلقة بالحكم، فإن المجال محدود بالفعل أمام تحول العراق إلى دولة فاشلة، عند هذا المنعطف، وهو خطر كان داهما قبل عام واحد.
ويتحرك العراق كذلك في اتجاه جيو سياسي إيجابي، فالعلاقات مع تركيا نمت بصورة مفاجئة على نحو ملحوظ، ليس في الشمال وحده، وإنما في بغداد أيضا. ويعد هذا أحد التطورات القليلة الإيجابية بالنسبة لتركيا هذا العام.
ولا تزال الدول العربية في المنطقة مترددة في بناء علاقات مع العراق، فيما هي تنتظر انجلاء الموقف بالنسبة للحكومة المقبلة، حيث لم يكن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الشخصية التي تحظى بالشعبية في الدول العربية المجاورة، ولكن هذه الدول أدركت أن الدعم الاقتصادي للعراق لن ينتظر أربع سنوات أخرى، وسوف تبادر بالقيام بخطوات سياسية نحو العراق، إذا استمر المالكي في منصبه.
أما إذا لم يعد المالكي إلى منصبه، وهو أمر وارد بالتأكيد، فلسوف نشهد توافدا من المسؤولين العرب على بغداد، لإرساء علاقات مع القائد العراقي الجديد على أساس أكثر رسوخا، ولذا فإنه أيا كانت نتيجة الانتخابات المقبلة، فإننا سنشهد العراق ينطلق في مسار أكثر سرعة، نحو الاندماج في البنية السياسية والاقتصادية للمنطقة في العام المقبل.
ومن المؤكد أن عناوين الصحف بالنسبة للعراق ستدور حول توقيت انسحاب القوات الأميركية من أراضيه، ومعدل هذا الانسحاب ومدى التأخر فيه، ولكن جوهر التطورات في العراق سيدور حول حكومة معتدلة، والتأثير الجيو سياسي المتزايد، والفرص الاستثمارية الأكثر إثارة للحماس، التي تراها المنطقة منذ عقد من الزمان.
رئيس مجموعة يوراشيا للاستشارات السياسية
"البيان"




















