اخفق المبعوث الاميركي لعملية السلام جورج ميتشل في جولته في المنطقة التي هدفت اساسا الى التوصل الى تفاهمات مع الافرقاء تفسح في المجال امام الرئيس الاميركي باراك اوباما لإعلان معاودة المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية بمشاركة اميركية وصولا الى اتفاق يقضي باقامة دولة فلسطينية خلال سنتين.
ميتشل الذي عاد الى بلاده بخفّي حنين، لم يقنع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو باعلان وقف شامل للاستيطان، لا لمدة 6 اشهر كما عرضت اسرائيل ولا من دون القدس، ولم يقنعه ايضا بلاجدوى الحديث عن مقابل عربي لاي استحقاق من هذا النوع، اذ لا علاقة مباشرة بين وقف الاستيطان الدائم او الموقت واللفتات السياسية العربية، كما لم يقنعه بأن شروط اسرائيل الاخرى لاطلاق مفاوضات لا تؤدي الى أي مكان سوى المزيد من عدم الثقة وعدم الاستقرار والمزيد من عزلة اسرائيل الدولية. وفي المقابل لم يقنع ميتشل الرئيس الفلسطيني محمود عباس بفائدة اللقاء الثلاثي المقترح في نيويورك مع نتنياهو واوباما من دون الاتفاق على الاهداف، أكانت بشروط عقد لقاء يسمح للرئيس اوباما بالادعاء بأن فلسفته التصالحية مع العالمين العربي والاسلامي هي خط عمل ،او بشروط اطلاق مفاوضات تؤدي الى اتفاق فلسطيني – اسرائيلي على ما يعتبر مشتركا، أي تفادي حل الدولة الواحدة لدى الجانبين والتوجه لاقامة دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل تعيشان بأمن وسلام.
واعلن نتنياهو انه لن يجمد تماما البناء في المستوطنات، بل سيكون مستعدا فقط "لتقليص حجم البناء". ونقلت عنه صحيفة "هآرتس": "اريد ان احافظ على الحياة الطبيعية للمستوطنين. التجميد يعني صفر بناء. لا للسكن ولا للمدارس ولا لرياض الاطفال، وهذا لا يسمح بحياة طبيعية". واضاف: "توجد 2.400 وحدة قيد البناء، اضافة الى 500 اقرت اخيرا، كما ستبنى مبان عامة (…). والدولة الفلسطينية ملزمة ان تكون مجردة (من السلاح)، وكل اتفاق يجب ان يتضمن اعترافا باسرائيل دولة للشعب اليهودي".
كلام نتنياهو جاء في اليوم الذي كان ميتشل يتنقل بين رام الله والقدس الغربية. وهذا الوضوح الاسرائيلي لا يقع في اطار تكتيك سياسي، بل في صلب استراتيجية لم تتراجع عنها تل ابيب، وهي السبب حتى اليوم في فشل كل المفاوضات لانهاء الاحتلال. ومن المنطقي ان يسأل الفلسطينيون ما اذا كانت واشنطن التي رعت هذه الاستراتيجية مستعدة مع ادارة الرئيس اوباما لمواصلة رعايتها هذه الاستراتيجية الاسرائيلية مع انها تراجعت عن استراتيجيات اكثر خطرا على الامن والاستقرار العالمي مثل تلك التي تصنف الدول والزعماء "اخياراً" و"اشراراً"، وهي الاستراتيجية ذاتها التي يرددها الاصوليون المتدينون مثل اسامة بن لادن واتباعه ومناصروه.
الرئيس الفلسطيني قَبِلَ التحدي، و"وضع قدمه في الارض"، رافضا لقاء نتنياهو من دون ان يكون للقاء معنى ايجابي للفلسطينيين وللاسرائيليين. فهو لا يريد ان يبني مالا كاذبة ولا ان يبيع اوهاما. ولذلك هو يتحرك على خطي عمل، اولهما توفير فرص لمعاودة المفاوضات لإنهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية، ولحل متفق عليه لقضية اللاجئين، وثانيهما المصالحة مع حركة المقاومة الاسلامية " حماس" واجراء انتخابات تقرر نتائجها أي وجهة للعمل يريدها الفلسطينيون مع تمسك اسرائيل بمواصلة احتلالها.
ميتشل كان اول من اشار بين المسؤولين والمبعوثين الاميركيين الى لب المشكلة في مساعي الولايات المتحدة للتسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين، عندما اكد في تقريره الشهير مطلع الانتفاضة الثانية ان الاستيطان سبب رئيسي لفشل التسوية وان الرعاية الاميركية للمفاوضات تحتاج الى تدخل اكثر نجاعة من الاستجابة لما تعتبره اسرائيل مقبولا لديها. وهو لم يفلح حتى الان في كسر هذه الحلقة لانها لا تزال الركن الاساس في العلاقة الاميركية – الاسرائيلية. ومن دون انقلاب قد لا يستطيع ميتشل ولا غيره النجاح حيث لا يريد احد النجاح في هذه المنطقة. فهل يريد الرئيس اوباما النجاح هنا؟ الجواب نظريا نعم. وعمليا لعم. واللعم كانت ولاتزال مقتل اي رأي في هذا الاتجاه اذ لم تكن ارادة اميركية للتغيير في اي وقت من الاوقات.
رام الله – من محمد هواش
"النهار"




















