في 17/1/2010 جرت الدورة الاولى من انتخابات الرئاسة الاوكرانية، حيث تنافس 18 مرشحاً على اصوات حوالي 37 مليون ناخب، موزعة على 225 دائرة انتخابية تضم 33 ألف قلم اقتراع. ونظرا لعدم تمكن اي من المرشحين من الحصول على أكثر من 50% من أصوات الناخبين، والفوز بالتالي بمنصب الرئيس، فقد تم تحديد يوم السابع من شهر شباط القادم موعدا لإجراء الدورة الثانية لانتخاب رئيس جديد للبلاد لمدة خمس سنوات، اذا ما حافظت الامور على مجراها الطبيعي، ولم تشهد الساحة السياسية الاوكرانية تطورات تؤدي الى قلب النتائج كما حصل خلال انتخابات 2004.
أظهرت النتائج الاولية للانتخابات التي شارك فيها حوالي 47% من الناخبين، تقدم مرشح المعارضة رئيس حزب الاقاليم فيكتور يانيكوفيتش على منافسيه بحصوله على 35.76 % من مجموع الاصوات، وجاءت رئيسة الوزراء ثانية بنسبة 24.7%، وحل رجل الاعمال سيرغي تيغيبكو ثالثا بنسبة 13%، في حين حصل الرئيس الحالي على نسبة 5.33%. ما يعني ان التنافس على الرئاسة في الدورة الثانية محصور بين يانيكوفيتش وتيماشنكو.
بهذا الصدد يتوقف المراقبون عند الدلالات التي حملتها نتائج انتخابات الدورة الاولى بغض النظر عن كونها لم تحدد اسم الرئيس التالي لاوكرانيا. اذ اعتبروها اختيارا لمستقبل اوكرنيا في الدرجة الاولى، ووجدوا فيها تقييما ليس فقط لاداء الرئيس بل للثورة البرتقالية وما جلبته على البلاد من أزمات. فانخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات بالمقارنة مع انتخابات عام 2004، بالاضافة الى تدني مستوى التأييد للرئيس الحالي قائد الثورة البرتقالية، يؤشر الى حدوث انقلاب في الرأي العام على مبادئ تلك الثورة ورموزها. وهنا يرى المراقبون ان الفضل في حصول رئيسة الوزراء على نسبة 25%، التي أهلتها الى الدور الثاني كمنافس قوي على منصب الرئيس، لا يعود الى كونها أحد أبرز رموز تلك الثورة، بل الى تخليها تدريجيا عن مبادئها، وانقلابها على قائد تلك الثورة وابتعادها عنه، واقترابها من روسيا، خاصة بعد تسوية مسألة تصدير الغاز الروسي، القطاع الوحيد الذي يجلب المداخيل الى خزينة الدولة.
كذلك فإن انخفاض نسبة الاقتراع، وتراجع مستوى الحماس للمشاركة فيها، يعكس الى حد ما تراجع مستوى التدخل الخارجي بالشؤون الاوكرانية عموما وبالعملية الانتخابية خصوصا، فمواقف الأطراف التقليدية المؤثرة تشهد تحولا كما يبدو بالمقارنة مع انتخابات العام 2004.
فالاندفاعة الاميركية الأطلسية باتجاه أوكرانيا جمدت بعيد حرب القوقاز في العام 2008، وبدأت بالتراجع مع وصول اوباما الى سدة الرئاسة، واعتماده سياسة إعادة إطلاق للعلاقات مع روسيا، الأمر الذي ادى الى إعادة النظر في مواقف الولايات المتحدة بالنسبة الى الكثير من الملفات الخلافية مع روسيا ومن ضمنها توسيع حلف الناتو شرقا وضم اوكرانيا وجورجيا الى عضويته، ونشر الدرع الصاروخية.
كذلك الأمر بالنسبة الى الاتحاد الأوروبي، وبالرغم من التوجه المعادي لروسيا لدى العديد من أعضائه الجدد كدول البلطيق وبولندا، الا ان ما أحاط بعلاقاته من أجواء عدم ثقة بالاستبلشمنت السياسي في اوكرانيا إبان عهد الثورة البرتقالية، حين لجأت الأخيرة الى ابتزاز كل من أوروبا وروسيا على حد سواء، مستغلة لذلك موقع اوكرانيا الجغرافي كدولة ترانزيت للغاز الروسي، ما جعل من امن الطاقة الأوروبية عرضة للخطر مع حلول كل شتاء، ما دفعها الى تغيير موقفها منها والبحث عن بديل يكون مصدرا للثقة للحفاظ على امن طاقتها. وهذا ما يدل عليه المشاركة الفعالة للعديد من دول الاتحاد الأوروبي وخاصة المانيا وفرنسا وايطاليا في مد خطوط نقل بديلة لمصادر الطاقة الروسية الى اوروبا. وهنا تجدر الإشارة الى الدور الذي لعبته تلك الدول حين استخدمت نفوذها لدى صندوق النقد الدولي مؤخرا لثنيه عن الموافقة على تقديم قروض مالية لاوكرانيا حتى تتمكن من تسديد المتوجب عليها الى روسيا لقاء ما استوردته من غاز. الامر الذي فسره المراقبون تخلياً عن مرشحة السلطة البرتقالية رئيسة الوزراء الحالية، ودعما لمرشح المعارضة.
أخيراً تأتي روسيا، حيث من الواضح انها لن تسمح بتكرار أخطاء الانتخابات السابقة، عبر تخليها عن موقفها السلبي الذي سمح لبقية الأطراف بالتدخل، وتغيير النتيجة لصالح قادة الثورة البرتقالية في حينه. وبالرغم من سيطرة أجواء انعدام الثقة بالطبقة السياسية الاوكرانية، فهي، وبخلاف عام 2004، تحافظ على التواصل مع المتنافسين على منصب الرئاسة، ويتولى قادتها (ميدفيدف بوتين) كل على حدة، تقديم الدعم لهذا المرشح او ذاك، من اجل تهيئة الظروف للانتقال في علاقاتها مع اوكرانيا الى مرحلة جديدة، بغض النظر عن اسم الفائز في الدورة الثانية. وهذ ما تظهره مبادرة الرئيس الروسي الى إرسال سفيره الجديد الى أوكرانيا، بعد ان امتنع عن ذلك عدة أشهر تعبيراً عن رفضه التعامل مع الرئيس الاوكراني الحالي يوشنكو، بالإضافة الى إعطائه منصب الممثل الشخصي للرئيس لشؤون العلاقات التجارية بين روسيا واوكرانيا.
المستقبل




















