اليوم وغدا ستكون لندن مسرحا لمؤتمرين حول اليمن وافغانستان.
الانعقاد في لندن لا يحجب ان واشنطن هي الجهة المخططة للمؤتمرين وللنتائج التي رسمتها سلفا.
كان لافتا عشية انعقاد المؤتمر حول اليمن ان يرحب مسؤول اميركي، رفض الكشف عن هويته، بعرض عبدالملك الحوثي، القائد الميداني للمسلحين الحوثيين في شمال اليمن، الانسحاب من الاراضي السعودية مقابل ان توقف هذه هجماتها عبر الحدود.
واللافت اكثر كان تبرع المسؤول نفسه بتأكيد انه ليس ثابتا ان ايران هي التي تموّل الحوثيين او تسلحهم او تدربهم مشيرا الى احتمال ان يكون الامر من صنع "جمعيات خيرية شيعية".
قبل ذلك سُرِّبت معلومات تقول ان واشنطن ليست بعيدة عن التفكير بصيغة جديدة لحل مشكلة الجنوب اليمني، وتردد في هذه الصيغة مصطلحا الفيديرالية والكونفيديرالية.
وفي مقابل التلميح والتصريح بضرورة حل المشكلات "المحلية" بالاستيعاب، كان الموقف الاميركي حادا من موضوع ملاحقة عناصر "القاعدة" في اليمن وصولا الى التلميحات بأن مؤتمر لندن قد يكون مؤتمر بحث التدخل العسكري الخارجي لدعم اليمن في حربه على الارهاب. هذا رغم النفي الاميركي الرسمي لأي تدخل عسكري اضافي اي خارج العراق وافغانستان.
في المقابل اخضع اليمن لوابل من الانتقادات الاميركية، غير المحددة المصدر، لاداء الحكم في كل الملفات، وخصوصا في موضوع الفساد حيث جرى التركيز على انه يصعب ادارة برنامج مساعدات اقتصادية ومالية لليمن بالاستناد الى جهاز الدولة بحالته الراهنة.
أوجه الشبه كثيرة بين هذا التمهيد الاميركي للمؤتمر حول اليمن، والتمهيد الاميركي للمؤتمر حول افغانستان.
فجأة بدأ يتطور الحديث القديم نسبيا عن ضرورة التمييز بين "طالبان" الجيدة و"طالبان" السيئة، تمهيدا لاستلام عناصر الاولى واعادة "دمجهم" في المجتمع الافغاني، ليصبح حديثا عن امكانية مشاركة "طالبان" في الحكومة. حتى قادة الميليشيات يمكنهم ان يجدوا موقعهم "الطبيعي" داخل الحكومة اذا قرروا وقف عملياتهم ضد القوات الاميركية – الدولية والحكومة الافغانية الحالية.
والتحليل الذي طُبّق على اليمن طُبّق ايضا على افغانستان وقوامه ان من يعتقد بامكان الانتصار في الحرب على العناصر المحلية واهم.
اما العناصر المحلية فهم تارة الحوثيون وتارة اليمنيون الجنوبيون وفي افغانستان "طالبان" وحكمتيار ودوستم وزعماء "الجهاد" الذي رعته في سالف الايام واشنطن ضد القوات السوفياتية في افغانستان.
وما ينطبق على فساد نظام الرئيس اليمني علي عبدالله صالح ينطبق على فساد نظام حميد كرزاي. فالمساعدات بحاجة الى من يشرف على انفاقها.
الحوثيون واليمنيون الجنوبيون جاهزون للمفاوضات، في نظر الاميركيين، منذ اليوم. اما رفض "طالبان" المعلن للتفاوض مع كرزاي، او مع الاميركي مباشرة فعلاجه توجيه ضربات قاسية لما سماه قائد القوات الدولية والاميركية في افغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال "قلب طالبان المتصلب". وبعد ذلك تتغلغل الليونة في ما تبقى من جسد "طالباني" ويمكن ربما تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الافغانية.
وحدها "القاعدة" تبقى العدو الذي لا يمكن التهاون معه. ووحدها التي ينبغي العمل على عزلها. وفي مقابل خطتها الاختباء خلف النزاعات المحلية في دول تتطور صراعاتها لتحوّلها دولا فاشلة، الخطة الاميركية الجديدة هي تجميد كل النزاعات، وتقديم كل التنازلات للحفاظ على تماسك دول "المضيفة" بما يساعدها على لفظ الجسم الغريب. وهنا تكون المساعدة الاميركية، غير المباشرة، حاسمة.
اما عندما تتداخل الحدود كما يحصل في الحدود الشمالية الغربية لباكستان، فيصبح مطلوبا من باكستان التي تخوض بتحريض اميركي حربها ضد "طالبان" الباكستانية، ان تمد هذه الحرب لتشمل "طالبان" الافغانية.
اما لماذا يكون طموح الحكم في كابول ان يعقد صفقة مع "طالبانه" فيما المطلوب من باكستان ان يخوض حربا مفتوحة مع "طالبانه" و"طالبان" جيرانه فليس مفهوما.
كما يبقى سؤال آخر يتعلق بمستقبل علاقة "القاعدة" بالكيانات "الجديدة" المتسامحة مع مشكلات مكوناتها المحلية، الى حد استيعاب معظم مطالبها في كيانات فضفاضة. اذ كيف يمكن مقاومة تسلّل "القاعدة" الى "دول" لا تحظى بوجود عسكري اميركي مباشر كما لم تعد تحظى بحكومة، تستطيع، ولو من موقع فئوي، الاشتباك مع العدو الذي أعطته واشنطن الاولوية، "القاعدة"؟
"النهار"




















