لو أوتي توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق ألف لسان إلى جانب لسانه فلن يكون بمقدوره أن يقنع أحداً في بلاده أو خارجها بأن قرار غزو العراق ومشاركة بريطانيا فيه كان صائباً أو مشروعاً.
بلير نفسه أول من يعرف ذلك، ولما شعر حزبه أن فرصه في البقاء في السلطة صار محط تساؤلات بسبب سياسة بلير الطائشة، ها هو يلملم أوراقه من جديد ليمثل أمام لجنة التحقيق حول غزو العراق الذي تتعاظم مشاعر الألم لدى الشعب البريطاني يوما بعد يوم بسبب ما ارتكبه بلير من أخطاء بتبرير الحرب على العراق وانتزاع مشروعية زائفة لينجو من عواقب الإعتراف بالذنب.
الإفادة التي سيقدمها بلير خلال مثوله غداً أمام لجنة التحقيق لن تخرج عن حصيلة الدفوع غير المقنعة التي قدمها على شاشات الفضائيات من قبل، ومحاولاته الضغط على الرافضين لشن الحرب غير المشروعة على العراق آنذاك لن تتضح أبعادها وهي في حد ذاتها تهمة منفردة حين مارس ضغوطاً على المحامي العام البريطاني آنذاك جولد سميث لكي يقدم برهاناً على مشروعية الغزو رغم عدم وجود قرار من الأمم المتحدة بذلك.
بل وفشل الغزاة بالخروج بهذا القرار، لكن اليمنيين الجدد في الولايات المتحدة كانوا قد عقدوا العزم على الغرور بغض النظر عن قرارات الشرعية الدولية.
وانساق وراءهم توني بلير بإرادته وكانت كل مؤتمراته الصحفية تؤكد أنه ضالع في تمرير الكذبة الكبرى على العالم بأن غزو العراق عمل مشروع حتى أن بعض القانونيين في بريطانيا لجأوا بضغوط من بلير إلى جمع (مزيج) من قرارات مجلس الأمن السابقة بشأن العراق لاستخلاص أو بالأحرى (لاستنساخ) قرار جديد (وهمي) يجعل الحرب مشروعة ويجعل اشتراك بريطانيا فيها ضمن دائرة القانون.
إن أول من يصرخ في وجه توني بلير وأمثاله ممن زوروا وزيفوا الوقائع لتبرير تدمير بلد بحجم العراق وإخراجه من مسيرة التطور، هو صوت الضمير الذي يحاول بلير كبته، والتمادي في تقديم المزاعم تلو المزاعم، وقد يصحو هذا الضمير يوماً ليقدم توني بلير اعتذاره المنتظر.
لقد قال الشعب البريطاني كلمته من أول أيام الغزو وقبلها انه لا يقبل غزو بلد آخر بشكل غير مشروع وخارج قرارت الامم المتحدة.
لكن بلير صم أذنيه وباع مصداقيته وثقة الشعب البريطاني فيه بأبخس الأثمان وهي (صداقته مع جورج بوش الابن) وانحيازه الكامل لأفكار مغامري البنتاجون والجمهوريين المتحمسين لتدمير العراق. للأسف ابتلع بلير الطعم الأميركي وخرج عن قيم المجتمع البريطاني الذي انتخبه وأساء إلى حزبه الذي خسر العديد من المقاعد ويكاد يخسر أغلبيته وتقلده للسلطة في لندن.
وفوق كل شيء خسر احترام الناس الذين فقدوا أبناءهم في حرب لا طائل منها، فليقل بلير في إفادته ماذا أستفادت بريطانيا من هذه الحرب، واذا كانت السياسة تقوم على المصالح فما هي مصلحة بريطانيا من وراء غزو العراق؟ إن أكثر من نصف البريطانيين الآن على يقين بأن بلير (خدعهم) عمداً فيما يتعلق باسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق.
لأن الهدف كان غير معلن والذين كانوا يدفعون بالأمور إلى حافة الحرب كانوا على يقين بأن عملهم غير مشروع، لا بموجب قوانين بلادهم ولا بموجب ميثاق الأمم المتحدة، ومهما قدم بلير من ذرائع قديمة أو جديدة في استجواب الغد فلن يمحو ذلك قطرة من دماء ملايين العراقيين و179 جنديا بريطانيا ماتوا في حرب عشوائية على أيدي حفنة من المغرورين والكاذبين والمخادعين وبينهم توني بلير، بل في مقدمتهم.
الوطن




















