ما نسب أخيراً إلى المرشد الأعلى للجمهورية في إيران علي خامنئي، حول حضه مسؤولي الأمن على "أداء واجباتهم تجاه المشاغبين" وتوجيهه أمرا لقوات الأمن بـ"اتخاذ إجراءات حازمة ضد المحتجين المناوئين للحكومة"، يمكن أن يكون بمثابة إعطاء الضوء الأخضر، للمضي في ترجمة وتنفيذ التهديدات والتحذيرات الصارمة التي سبق وأطلقها قادة "الحرس الثوري" ووزارة الداخلية، ووزارة الأمن والاستخبارات، والسلطة القضائية، ونواب ورجال دين محافظون ضد الحركة الإصلاحية وزعمائها، والتي توعدت بسحق الاحتجاجات وإعدام المحتجين.
والملفت أن ذلك جاء بعد أن تقدم الزعيم الإصلاحي مير حسين موسوي بمبادرة تنطوي في جوهرها على القبول بنتائج انتخابات الرئاسة الأخيرة، مقابل الاعتراف بحق وجود وشرعية المعارضة الإصلاحية والتعبير عن آرائها، إذ أنها ركزت، على تعديل قانون الانتخابات، وإطلاق سراح المعتقلين، وإطلاق حرية الصحافة، وإزالة كل العوائق في وجه الإعلام، إضافة إلى الاعتراف بحق التظاهر والتجمع وتشكيل الأحزاب.
وإعتبرت المبادرة، التي عاد وأكد على أبرز نقاطها الزعيم الإصلاحي الآخر مهدي كروبي، أنها يمكن أن تشكل "خريطة طريق" عملية للخروج من الأزمة، على أرضية الاعتراف بشرعية رئاسة نجاد وحكومته، مقابل الاعتراف بوجود وشرعية المعارضة الإصلاحية، ليس بوصفها جزءاً أو تياراً من النظام القائم فحسب، بل بكونها تمثيلا وتعبيرا عن فئات وشرائح اجتماعية واسعة، باتت تبدي عدم قبولها ورفضها، وإن يكن بدرجات متفاوتة، للنظام الحالي، علماً أن قادة المعارضة ما انفكوا يؤكدون تمسكهم بنظام الجمهورية الإسلامية وبمبدأ "ولاية الفقيه"، ولا يدعون إلى إطاحة النظام، وتتمثل هذه الفئات والشرائح خصوصا في الفئات المدينية الوسطى، والطلاب والأجيال الشابة، والنساء، والأقليات العرقية والمذهبية، مع التنويه بالدور الخاص والمميز الذي يلعبه المثقفون والكتاب والصحافيون والفنانون والأكاديميون وقسم من رجالات الدين داخل الحركة الإصلاحية. وهم أشبه بعقل وضمير المجتمع الإيراني، فهل يمكن أن يتم شطبهم بسهولة؟!.
من الواضح أن الانقسام المجتمعي والسياسي العميق في إيران وصل إلى نقطة اللاعودة، وبات من الصعوبة بمكان قيام مصالحة وطنية تعيد الأمور إلى سابق عهدها، وما كانت عليه، قبل انتخابات حزيران (يونيو) الماضي، فالتحالف الاجتماعي الواسع الذي شارك وساهم في قيام الثورة 1979، انقسم على نفسه الآن، سواء على الصعيد المجتمعي، أم داخل المؤسسة الدينية، أو في صفوف النخب السياسية، التي كانت حتى الأمس القريب جزءا لا يتجزأ من بنية النظام، وصارت اليوم عرضة للتكفير والتجريم، والاتهام بأنها أدوات لتقويض النظام ضمن مخطط "صهيو – أميركي".
وفي الوقت نفسه لابد من الإقرار بأن النظام ما زال يتوفر على قاعدة اجتماعية عريضة، تدافع عنه وتبدي استعدادها الكافي لحمايته والحفاظ عليه، وخصوصا أن بعض التقديرات تفيد بأنه يشغّل أكثر من مليوني شخص في أجهزته العسكرية والأمنية (حرس ثوري، باسيج…) وهؤلاء إذ يدافعون عن النظام ومؤسساته فإنهم يدافعون عن مكتسباتهم ومصالحهم في الآن ذاته.
وعليه، فلا مخرج إذن من هذا المأزق سوى القبول بمبادرة المعارضة والاعتراف بشرعيتها، كما هو الحال في الأنظمة الديمقراطية المعروفة، وهذا سيشكل انتصارا للديمقراطية في إيران، ولمنطق ضرورة قيام دولة وطنية حديثة، كحاضنة لمواطنيها كافة، دون أي تمييز لأي سبب من الأسباب، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإنه سيجنب الجمهورية الإيرانية إمكانية الانزلاق والتحول إلى دولة أمنية بوليسية، تستخدم القمع السافر وأدوات البطش الدموية لإسكات معارضيها. لكن الأخطر من ذلك كله أن هذا المآل قد يجر البلاد نحو مزيد من التطرف واحتمالات قيام الحرب الأهلية.
ويلاحظ أن رؤية القيادة الممسكة بمركز القرار في طهران، تعبر إما عن حاجتها الدائمة إلى وجود أعداء يتربصون بها، في الداخل والخارج، وإما عن رضاها الزائد على نفسها وشعورها بأنها على صواب دائم، وتمتلك الحقيقة المطلقة، فيما الآخرون من الخصوم والأعداء هم المخطئون وعلى ضلال ، أو عملاء وخونة تجدر تصفيتهم، إذا لم يعلنوا توبتهم ويعودوا إلى جادة الصواب، كما يلاحظ أن وسائل الإعلام الإيرانية، تلجأ إلى تقسيم الناس بين أنصار النظام "جبهة الإسلام والثورة" أو "معسكر أعداء الإسلام والثورة"، وتقول بأن الإسلام لا مكان فيه حتى للمستقلين، فإما مع الإسلام أو ضده. وبالمقابل يتهم كروبي القيادة الإيرانية بـ"تحويل خلاف سياسي إلى حرب دينية، ليتمكنوا بإسم الدين من قمع الناس الذين يطالبون بحقوق سياسية"، ويرى أن الثورة الإسلامية "ضلّت سبيلها"، مؤكداً على ضرورة "تعزيز الحريات، ومكافحة الاستبداد في إطار مبدأ ولاية الفقيه والجمهورية الإسلامية".
ويمكن أن نخلص إلى أنه من الصحيح القول إن الاحتجاجات الأخيرة في إيران في ذكرى عاشوراء تجاوزت قضية انتخابات الرئاسة فعلا، وباتت القيادة الإيرانية، كما المعارضة الإصلاحية، على مفترق طرق، إما تطوير النظام والاعتراف بشرعية المعارضة، سواء من داخل النظام أو من خارجه، وإما اختيار تعميم القمع والتحول إلى دولة بوليسية، فأي الخيارين، ترى، سيكون الأرجح؟
"المستقبل"




















