يحزنني أنه لا يوجد في بلادي، ولا في البلدان التي تجاور بلادي، لجنة تشيلكوت على شاكلة تلك اللجنة التي جلس امامها توني بلير في وسط لندن اول من أمس.
ليس لأن من هم في وضع توني بلير في بلادي من الذين يمسكون دفات الامور ويديرون شؤون العباد، يخوضون من حروب الخارج ما يستدعي سؤالهم عن مبرراتها، ولو كانت هذه المبررات لخدمة ما يوصف بالمصالح العليا للبلاد.
حروب من هذا النوع لا تخاض في بلادي. أنا اعرف منذ نشأتي حروباً من صنف آخر، يقتل فيها اهل الداخل بعضهم البعض، تحت قيادة الزعامات التي تكون لها احياناً صفة توني بلير في الحكم، في وجه زعامات اخرى تطمح الى هذه الصفة. ففي بلادي تصل الزعامات الى كراسيها على انقاض هذه الحروب، التي توصف بالحروب الاهلية، مع أن لا أهل فيها، لأن الأهل لا يرتكبون مثل هذا، ولا أهلية ايضاً لمن ينتصرون!
ليس هذا فقط ما احزنني وانا اتابع رئيس وزراء بريطانيا السابق جالساً على ذلك الكرسي في وجه المحققين الخمسة، الذين لا يملكون اية صفة او سلطة سوى السلطة الشعبية التي تحميهم والتي باسمها يقومون بعملهم. احزنني ان مشهداً كهذا في بلادي هو من نوع افلام «الساينس فيكشن»، أي من النوع الذي يراه الناس على الشاشة، ويحلمون بوجوده على كوكب آخر.
في بلادي هناك رفع كلفة بين المسؤول والمواطن. المسؤول يستطيع ان يفعل ما يشاء. يغيّر لونه مرة في الشهر، واذا بالغ في الولاء لمواقفه فمرة في الشهرين. ولأن رفع الكلفة هو مثل الأرزة في وسط العلم، فان المواطن نادراً ما يلاحظ هذا التغيير الذي يرتكبه زعماؤه بقلة حياء قلّ نظيرها. واذا لاحظ فنادراً ما يجد مبرراً للسؤال. القاعدة هي عدم السؤال وغيره شواذ.
لك أن تقول ما تشاء عن توني بلير. أنه زعم وجود اسلحة دمار شامل في العراق لاسقاط صدام حسين. أنه تجاهل رأي اكثرية مواطنيه الذين اختاروه لحكمهم وذهب الى الحرب رغماً عن رأيهم، مع ان لا شيء قانوناً يجبره على اخذ هذا الرأي او العمل به. أنه مشى وراء جورج بوش الى حيث ارادت مصالح هذا الاخير أن تأخذه. ما لا تستطيع أن تقوله عن توني بلير انه قائد سياسي يغيّر موقفه حسب الظروف وتغيّر الاحوال. امام لجنة التحقيق اول من امس، سمعناه يقول ما قاله قبل سبع سنوات، عندما اخذ بلاده وجيشه الى الحرب. اكثر من ذلك، سمعناه يؤكد: لو وجدت نفسي امام الظروف ذاتها لاتخذت القرار ذاته. أليس محزناً أنني في بلادي احتاج الى شمعة في وسط الظلام لأجد مسؤولاً من هذا النوع، يحافظ على عهده وعلى كلمته، ولا ينسى اين كان يقف قبل ان يقلب موقفه ورأيه وتحالفاته، فلا تعود تعرف اذا كان هو ذاته ذلك الشخص الذي كنت تسمعه قبل ان ينقل رجله الى المقلب الثاني! أليست بلادي هي المشهورة بعبارة: رجل في البور ورجل في الفلاحة، التي لا ترجمة لها في اية لغة من لغات الارض؟!
ليس هذا من باب التشفي ولا من باب الحسد. اعرف انني اتحدث عن مسؤول بريطاني واعرف ان توني بلير لا يجرؤ، رغم كل الانتقادات والاهانات التي لحقت به، منذ خروجه من الحكم، أن يقف امام لجنة تحقيق او اي مكان آخر، فينكر ما كان يقوله عندما كان في الحكم. اعرف ذلك لأنني اعرف ان المواطن في هذه البلاد يحاسِب، ولا يغفر لسياسي يطلق وعداً او يتخذ موقفاً ثم ينكر انه قاله، او ينقلب عليه في صباح اليوم التالي. سلوك كهذا، الذي يسمّى «سياسة» في بلادي، لا يصلح في بلاد توني بلير للعمل في السياسة على أساسه. ولأن المواطن عند توني بلير هو هكذا، اجد بلادي على حال وبلاد بلير على حال آخر.
"الحياة"




















