الوضع في اليمن
بين مسؤولية النظام والتدخل الإقليمي
نقولا الزهر
لا يمكن فصل ما يجري في شمال اليمن و جنوبه ووسطه عن أزمته الداخلية الشاملة، إن كان على صعيد النظام السياسي أو على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. وإن التمرد الحوثي لا يخرج عن مفاعيل هذه الأزمة وتأثيراتها ، التي يتحمل النظام جزءاً كبيراً من مسؤوليتها.
فالحرب التي تدور في الشمال في منطقة صعدة، ليست جديدة على اليمن وهي الآن في جولتها السادسة، ولمَّا يتمكن النظام الحاكم من حسمها عسكرياً. وإن فصائل المعارضة كافة لا ترى أنه يمكن حل هذه الأزمة عسكرياً، وتطالب هذه الفصائل منذ بداية الصراع النظام إلى وضع حل سياسي لها عبر حوار وطني شامل تتمثل فيه كل القوى السياسية والاجتماعية.
إن حرب الحوثيين باتت أقرب إلى الحرب الأهلية، وكان اليمن قد شهد مثلها سابقاً، وفي المنطقة ذاتها، بعد حركة عبدالله السلال العسكرية التي أطاحت بحكم الإمامة في 26 ايلول عام 1962. وفي تلك الفترة كان الملكيون يستمدون دعمهم من السعودية في الوقت الذي كانت مصر تدعم الجمهوريين. وفي النهاية لم ينته ذلك الصراع إلا عبر الحل السياسي.
كذلك ما يجري في الجنوب باسم "الحراك الجنوبي"، هو من مخلفات حرب عام 1994 التي انتهت بتوحيد اليمن الجنوبي مع اليمن الشمالي. لكن يبدو أن النظام السياسي القائم في اليمن، لم يستطع أن يقوم بمنجزات ذات أهمية، على مستوى التوحيد الوطني، وعلى الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا بعد انقلاب 26 ايلول عام 1962، ولا بعد حرب توحيد اليمنين في عام 1994 .
-1-
إن محور الأزمة في اليمن يكمن في النظام السياسي؛ الذي لم يتمكن من أن يخطوَ خطوة جدية ملموسة على طريق بناء الدولة الحديثة. فالنظام الجمهوري بقي عنواناً فقط، والديموقراطية لم تكن أكثر من لبوس ظاهري، ولا يزال الرئيس على عبدالله صالح حاكماً لليمن منذ أكثر من ثلاثة عقود. وكذلك بعد توحيد الشمال والجنوب عسكرياً، فشلت السلطة الحاكمة في تأسيس دولة وطنية ديموقراطية موحدة قائمة على المواطنة والمساواة والمشاركة. و إن الكلام المتواتر الذي يدور على لسان الكثير من المتابعين والمحللين السياسيين من اليمن وخارجه، يشير إلى وجود وصاية شمالية على أهل الجنوب، وعملية نهب كبرى لأراضيهم يقوم بها المتنفذون من أعوان السلطة.
إن سياسة الإقصاء والتهميش لا تطال الجنوبيين فقط، إنما تتناول معظم سكان المناطق الطرفية اليمنية النائية. وكذلك لايمكن تجاهل الوضع العشائري المتخلف في اليمن. ولم تحرز السلطة اليمنية في عهد الرئيس علي عبدالله صالح تقدماً ملموساً في تقليص وإنهاء العلاقات والعادات القبائلية والعشائرية، باتجاه بناء المجتمع المدني الحديث. وترافق هذا الوضع القبائلي، مع قضية السلاح المنتشر بقوة في كل أنحاء اليمن بدءاً من الأسلحة الفردية وصولاً إلى المدافع الثقيلة والدبابات أحياناً. وهذا يعني في المحصلة أن النظام لا يسيطر تماماً إلا على العاصمة و بعض المدن الرئيسية. وفي هذا السياق يمكن مقارنة اليمن ببعض البلدان الفاشلة مثل الصومال وأفغانستان وحتى باكستان، التي يخوض جيشها منذ فترة معارك ضارية مع القبائل في مناطق مختلفة. وفي الواقع علينا ألا نقلل من خطورة هذا الوضع القبائلي، ولا ننسى أنه كان سببا رئيساً في الصراع الدموي بين (الرفاق الاشتراكيين) والذي أدى إلى انهيار اليمن الجنوبي.
وبالإضافة إلى ذلك فإن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة تتفاقم في اليمن يوماً عن يوم، ويكاد لا يتجاوز متوسط دخل الفرد فيها 400 – 600 دولار سنوياً. ويبدو أن الواردات النفطية لم تستخدم في تحسين المستوى المعيشي للناس، وقد انخفضت هذه الواردات حوالي 75%. وكذلك كرست البنية السياسية والاجتماعية للنظام الحاكم الفساد الإداري الشامل، وهذا أدى إلى تزايد جيش المهمشين والفقراء، وعمل على تركيز الثروة في أيدي طبقة صغيرة من السكان.
لذلك من الطبيعي أن يخلق هذا الوضع المأزوم، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، بيئة خصبة جداً للعودة إلى المشاريع السياسية الماضوية التقسيمية المستدعاة من التاريخ على أسس عشائرية أن تصبح اليمن مركزاً هاماً لنشاط جماعات "القاعدة" ومخزناً ومصدراً للنشطاء الإرهابين، وقد رأينا في الفترة الأخيرة تحركاتهم العسكرية العلنية في (أبين ) و(أرحب) و(شبوة) وحتى صنعاء. وهنالك من أخذ يصنف اليمن في المرتبة الثالثة بين الدول المنتجة للإرهاب بعد أفغانستان والباكستان. وبعض آخر يتوقع لليمن أن تكون في الطريق إلى وضعها تحت الوصاية الدولية كدولة فاشلة.
-2-
لا يوجد شك ، في أن الوضع السياسي والاجتماعي الراهن في اليمن، يشكل سبباً رئيساً للتمرد الحوثي في صعدة والملاحيظ وحرف سفيان والجوف، وكذلك سبباً للحراك الجنوبي الذي يدعو إلى الانفصال عن الشمال.. وإذا كان يدور الحديث كثيراً في هذه الفترة عن دور للنظام الإيراني في دعم التمرد الحوثي، ويعمل على استثماره سياسياً لصالحه فهذا طبيعي جداً؛ فالفراغ والضعف يجذبان التدخل الخارجي. ويقول المحلل السياسي السعودي البارز خالد الدخيل عن هذا الدور:"أنه استمرار لسياسة طهران الثابتة في الاستفادة من تداعيات الحالة العربية في منطقة الجزيرة والخليج العربي. بدأت هذه الحالة مع الغزو العراقي للكويت وانتهت بالغزو الأميركي للعراق وتدميره وبتعاون إيراني مكشوف". من هنا، علينا ألا نهمل مسؤولية النظام اليمني ومسؤولية السعودية وباقي دول الخليج عن هذا التدهور القائم في اليمن، الذي يشكل عاملاً مباشراً في هذا التدخل.
إن مسألة الحوثيين ليست في الأصل تدبيراً إيرانياً، لكن الاستراتيجية السياسية الإيرانية الراهنة تقوم على استثمار أي أزمة داخلية في الإقليم الشرق أوسطي للتدخل فيها من أجل توسيع نفوذها فيه، وتدعيم أوراقها السياسية التفاوضية في أزمتها الحالية مع الولايات المتحدة والغرب بشكل عام.
ومن الخطأ ابتسار الدعم الإيراني للتمرد الحوثي على خلفية الصراع السني- الشيعي. فعلى هذا الصعيد، منظمتا حماس والجهاد الإسلامي على الساحة الفلسطينية لا تأخذان دعمهما من ايران على خلفية شيعية. وقد رأينا أيضاً في أوائل التسعينات إبان الصراع على ناغورني غارباخ، أن ايران لم تقف إلى جانب الأذريجانيين الشيعة بل كانت في موقفها أقرب إلى الأرمن. فقد كان من مصلحتها آنذاك أن لا يتعاظم النفوذ التركي في القفقاس وآسيا الوسطى.
وعلاوة على ذلك، فاليمن في بنيتها لا تتسم مثل بعض الدول العربية الأخرى بالفسيفسائية الديموغرافية، وهي ليست كالعراق ولبنان، فالعرب يشكلون فيها نسبة 97% واليهود والهندوس وباقي الفئات لا يشكلون أكثر من 3%، وكذلك الحال بالنسبة إلى هويتها الدينية، فيشكل المسلمون فيها 97%، الشوافعة بنسبة 55% والزيديون بنسبة 42% وباقي الفئات من يهود وهندوس وآخرين لا تتجاوز نسبتهم 3%(هذا بحسب الأطلس الدولي/ الفرنسي إصدار عام 2000). والزيديون ليسوا شيعة تماماً؛ فقد تفارقوا تاريخياً عن الخط الجعفري/ الإثنى عشري بزعامة الإمام زيد ابن الإمام الرابع زين العابدين علي ابن الحسين. وكذلك علينا ألا نطابق بين الحوثيين كقبيلة والزيديين كمذهب ديني.
لكن المسألة اليمنية ازدادت تعقيداً وخطورة مع تسلل الحوثيين إلى السعودية عبر الحدود اليمنية. فهذا التسلل، وفي المنطقة الجغرافية التي يجري فيها، قد أحدث تداعيات أمنية وسياسية محلية وإقليمية، والخطورة هنا هي إمكانية نشوء إمارة حوثية، وبالتالي تفاقم وجود النفوذ الإيراني في جنوب الجزيرة العربية. وقد كانت الاستراتيجية العسكرية للحوثيين تسعى إلى هذا الهدف، بتوسيع منطقة تواجدهم والوصول إلى البحر والسيطرة على ميناء (ميدي) لتأمين مواصلة إمدادهم بالمؤونة والسلاح. وحاول الحوثيون خوض حرب استنزاف مع الجيش السعودي مستغلين وعورة المنطقة والبنية العشائرية التاريخية المتماثلة في(منطقة عسير). والوجه الآخر لهذه الخطورة أخذ بعداً دولياً؛ حيث التهديد هنا لمنابع النفط وطرق نقله إلى العالم وإمكانية فقدان السيطرةعلى(باب المندب). ولكن الجيش السعودي كان تدخله سريعاً وتمكن من إعادة سيطرته على مناطق التسلل قبل نهاية الأسبوع الثاني من بدء المواجهة العسكرية، وعمل على محاصرة مرفأ ميدي، و سيطر جوياً على منطقة عازلة جنوب الحدود في داخل اليمن. وكان رد الفعل الإيراني سريعاً ضد الموقف العسكري السعودي على لسان نجاد ومتكي ولاريجاني وأوساط جزب الله في لبنان.ولكن رغم تمكن السعوديين من ردِّ التسلل الحوثي على أعقابه يبقى التساؤل قائماً؟ فهل يستطيع النظام اليمني حسم معركته مع الحوثيين عسكرياً في هذه الجولة؟ وإذا استطاع حسمها هذه المرة فهل يضمن عدم تمردهم في حرب سابعة؟
-3-
لا نعتقد أن الصراع مع الحوثيين يمكن أن يحسم عسكرياً. وأكثر المحللين السياسيين، وكذلك المعارضون للنظام بمختلف فصائلهم، يجمعون على عدم إمكانية حل المسألة الحوثية عبر القوة العسكرية، إنما حلها مع حل باقي المشاكل اليمنية قي الجنوب وغير الجنوب، لا يتم إلا عبر الحوار الوطني، من أجل التوصل إلى حلول سياسية لإشراك كامل أطراف النسيج اليمني في القرار السياسي، والعمل على المساواة في الحقوق بين الجنوبيين والشماليين، وبين الشافعيين والزيديين وكل المواطنين الآخرين. فلا بد من إنهاء سياسة الإقصاء والتهميش والوصاية التي يستخدمها النظام الحاكم. وأي تحصين لليمن من التدخل الخارجي يبدأ من التغيير والإصلاح الداخلي. وإلا فالكرم البور يتسابق عليه الحراثون من الخارج! وليس من خارج واحد وإنما من خوارج!
وهذا ما نشهده الآن، إذ لم تعد تطورات المسألة اليمنية محصورة في اليمن، إنما أخذت تشكل أخطاراً وتهديدات أمنية للجزيرة العربية كلها؛ ورد فعل الولايات المتحدة والغرب عموماً لم يكن خافياً على أحد، وفي الواقع الخوف على السعودية ودول الخليج أكثر من الخوف على اليمن. فهنا أكبر مستودع للنفط العالمي. وبدأ وزراء الخارجية الغربيون يتقاطرون إلى اليمن بما فيهم وزير الخارجية الألماني، والوزيرة كلينتون تعتبر الوضع اليمني أنه صار يشكل خطراً على العالم بأسره، وجاءت الصدامات المتوالية بين الجيش اليمني وعناصر القاعدة لتعطي معالجة الوضع اليمني في مقدمة الاهتمامات الدولية، ويطرح براون رئيس الوزراء البريطاني عقد مؤتمر دولي في لندن.
وقد سارع أيضاً المحللون السياسيون في دول الخليج، إلى تحميل دول مجلس التعاون الخليجي مسؤولية مباشرة فيما يتعلق بمعالجة الوضع اليمني. و بعضهم أخذ يطرح ضرورة قيام "مشروع مارشال" خليجي للنهوض باقتصاد اليمن ، ولكن في آن شكك هؤلاء في نجاح مثل هذا المشروع إذا لم تجر تغييرات سياسية جدية في اليمن، تضمن إمكانية نجاحه وخروج اليمن من أزمته الراهنة. ويبدو أن الأزمة اليمنية بما تحمله من هواجس جيوسياسية إقليمية، قد انعكست على العلاقات العربية ونشهد في الأفق محاولة جديدة لإحياء التضامن العربي.
في كل الأحوال، الوضع اليمني يبعث على القلق، فالفقر يطال أكثر من 60% من اليمنيين، والفساد يشمل كل مؤسسات الدولة، والموارد النفطية تتراجع، و لا نعتقد أن اليمن بوضعه الراهن قادر على مواجهة أزمته وحده، فلا بد من أن تقوم دول مجلس التعاون الخليجي، وبالدرجة الأولى المملكة العربية السعودية، بخطوة إنقاذية يمكن أن تمهد الطريق لضم اليمن إلى مجلس التعاون وفق مشروع إصلاحي شامل. وإن أي تقاعس عن القيام بمثل هذه الخطوة الإنقاذية ، لا يعرض فقط اليمن ووحدته للتفكك والفوضى، وإنما محيطه أيضاً!
===================
إيران 2010: ليست أزمـــــة نظـــــــام بعـــــد
مصطفى اللباد
عاشت إيران أياماً ساخنة مع نهاية 2009 حيث تكررت التظاهرات التي أعقبت انتخابات الرئاسة في حزيران 2009 مرة أخرى في المدن الإيرانية الكبرى طهران وأصفهان وتبريز وشيراز وزنجان، والتي تزامنت مع مناسبة تشييع المرجع الديني الإيراني آية الله حسين علي منتظري المعارض للحكومة، ومع مناسبة تاسوعاء وعاشوراء، أي التاسع والعاشر من شهر محرم وهي ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي ثالث الأئمة عند المسلمين الشيعة.
اندلعت التظاهرات المعارضة للحكومة والمؤيدة للتيار الإصلاحي بقيادة مير حسين موسوي ومهدي كروبي ومحمد خاتمي، فجددت حيوية المجتمع الإيراني وأظهرت تناقضاته في آنٍ واحد. وإذ نظمت الحكومة الإيرانية تظاهرات ضخمة هي الأخرى لإظهار مدى التأييد الشعبي لها، فقد بدا المشهد السياسي الإيراني ساخناً ومفتوحاً على احتمالات عدة. وبالتوازي مع التظاهرات الساخنة والحراك الواضح الذي يشهده المجتمع الإيراني فقد انتهت المهلة الزمنية التي حددها الرئيس الأميركي باراك أوباما لإيران كي تقبل العرض الغربي بمبادلة الوقود النووي خارج أراضيها، وإيران لم تقبل العرض – ولا تستطيع قبوله في الواقع؛ وبالتالي فقد أصبحت الأبواب مشرّعة على جولة جديدة من العقوبات الاقتصادية على إيران في الشهور القليلة المقبلة. وضع هذان التطوران الداخلي والخارجي النظام السياسي الإيراني في موقف صعب مع نهاية العام، وبشكل جعل إيران تدخل العام الجديد وهي في بؤرة المشهدين الإقليمي والدولي ومن المرجح أن تبقى في هذه البؤرة حتى نهاية العام على الأقل.
يريد الغرب انتزاع تنازلات من طهران بخصوص حقوقها النووية وسلوكها الإقليمي، وبالتالي شكّلت التظاهرات وسيلة مناسبة للضغط عليها ليس لتأييد "الديموقراطية" و"حقوق الإنسان" في إيران، ولكن لضمان المصالح الغربية فيها وفي المنطقة. وبالرغم من أن التظاهرات تعبر عن إرادة قسم من الشعب الإيراني، فإن الغرب حاول استغلاها لتحقيق أهدافه التي عجز عن الوصول إليها بالضغوط السياسية والاقتصادية. وهنا يبدو بوضوح أن العامل الخارجي لا يصنع الأحداث في إيران، بل يلهث وراءها والدليل انطلاق التظاهرات في أكثر من مدينة وفي توقيت واحد، وهو نفوذ لا يملكه الغرب في إيران على أية حال. ولا ينفي ذلك بالضرورة احتمال أن تكون أطراف ضالعة في التظاهرات مدفوعة من الخارج بالفعل.
يقول التقدير الموضوعي لما جرى في شوارع طهران إن المتظاهرين أظهروا تصميماً على الاستمرار بالتظاهر في مواجهة الأذرع الأمنية، بالرغم من القتلى الخمسة عشر – حسب الأرقام الرسمية الإيرانية – وعلى الرغم من إعلان الرموز العليا للنظام الإيراني وفي مقدمهم مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي عن مساندتهم حكومة الرئيس أحمدي نجاد. استمرت التظاهرات لأيام ثم انتهت بفعل القوة القهرية التي واجهتهم من الشرطة، وبسبب عدم انضمام شرائح اجتماعية أخرى إليها، فظل المتظاهرون محدودين ضمن فئات اجتماعية بعينها. وهنا يبدو الفارق كبيراً بين الإحراج الذي تسببه التظاهرات للرئيس أحمدي نجاد وتياره في الحد الأدنى، واستنتاج أن هذه التظاهرات هي مقدمة لتغيير أعمق وأكثر جذرية في المستقبل القريب، وهو تفكير بالأماني لا يعكس واقعاً سياسياً على الأرض.
وقد مثّل تلويح قوات الحرس الثوري بالتدخل في التظاهرات لقمعها بالقوة الجبرية علامة فارقة في التصعيد، لأن الحرس الثوري هو قوة النظام الضاربة ومجرد انخراطه في قمع التظاهرات سيعني انها بلغت حداً خطيراً على مستقبل النظام. لم يحدث هذا الاحتمال على أرض الواقع ولم يتدخل الحرس الثوري، لأن التظاهرات استمرت تحت سقف منخفض نسبياً، وإن كان التوتر بين التيارات السياسية الإيرانية قد بلغ حدوداً غير مسبوقة مع نهايات 2009.
تقول التجربة التاريخية لأعمال الاعتراض إن هناك شروطا يلزم وجودها كي تتحول مظاهر الاعتراض ثورات شعبية وبالتالي تؤدي إلى تغيير في شكل الحكم. حيث تبدأ الثورات بأن تقوم فئة اجتماعية ما برفع صوتها للاحتجاج، وتنزل إلى الشارع في المدن الكبرى والعاصمة. في المرحلة التالية تنضم إلى التظاهرات شرائح اجتماعية أخرى، بحيث تتوسع الاحتجاجات إلى مدن أخرى ثم تصبح أكثر عنفاً. وفي المرحلة الثالثة تنتشر المقاومة ضد النظام في المدن المختلفة، فيضطر الأخير إلى نشر قواته وأذرعه الأمنية لقمع التظاهرات. وتتمثل المرحلة الأخيرة في تأثر القوات الأمنية بالمتظاهرين بحيث تمتنع عن إطاعة أوامر النظام، فيتمكن المتظاهرون من الشارع ويغيّرون من شكل السلطة. هذا السيناريو حدث بالضبط في إيران عام 1979 عند سقوط الشاه السابق، ولكن التقدير الموضوعي للموقف الآن يقول إن التظاهرات لم تبلغ هذه القدرة بعد لأنها اقتصرت على شرائح اجتماعية محدودة، وبالتالي فالمقارنة بين الحدثين غير ممكنة تحليلياً.
تقف إيران في العام الجديد 2010 في قلب أعاصير داخلية وخارجية، حيث أعادت التظاهرات –من حيث لم تحتسب- الكرة إلى الملعب الإيراني الداخلي في صورة ضغوط آتية من الداخل وليس الخارج هذه المرة. تأسيساً على ذلك تتجه إيران إلى إعادة اصطفاف النخبة السياسية المعارضة للرئيس أحمدي نجاد حول شخصيتين هما: هاشمي رفسنجاني، محرك الأحداث الحقيقي في النخبتين الاقتصادية والدولتية أولاً، ومير حسين موسوي ثانياً باعتبار أن التظاهرات تلتحف بـ"مظلوميته" في الانتخابات الرئاسية الأخيرة غطاءً لتظاهراتها واحتجاجاتها. والملاحظ على مجموعات المتظاهرين أنها أكثر راديكالية من رفسنجاني وموسوي ولا ترتبط بنسق ما من المصالح مع نظام جمهورية إيران الإسلامية مثلهما، وبالتالي خطوات المتظاهرين لم تكن محسوبة كثيراً مثل خطواتهما.
يبدو أن تيار الرئيس أحمدي نجاد اختار الحل الأسهل وارتاح إلى وصم المتظاهرين بالعمالة للغرب، وازداد الموقف تأزماً عند تأمل الطريقة التي ينظر بها التيار المحافظ إلى الموقف الحالي. يقول تقدير موقف هذا التيار إن التظاهرات تعبر عن قسم صغير من الإيرانيين سكان المدن الكبرى والمنتمين إلى الشرائح العليا للطبقة الوسطى ولا امتدادات شعبية حقيقية لهم، وبالتالي يعتقد التيار المحافظ أن استعمال القبضات الأمنية ومواجهة المتظاهرين سينهي الأزمة. ولكن عودة التظاهرات إلى شوارع المدن الإيرانية الكبرى بعد مرور أكثر من ستة اشهر على انتخابات الرئاسة يعني أن الوسائل الأمنية لم تفد كثيراً في حل الأزمة التي تتطلب حلولاً سياسية في المقام الأول.
من ناحيتهم استثمر المتظاهرون، الذين يعانون من التضييق على تحركاتهم، الفرصة التي واتتهم أثناء تشييع آية الله منتظري وذكرى عاشوراء، لأن هذه الذكرى هي مناسبة لتظاهرات رسمية في جمهورية إيران الإسلامية وهو ما حدث بالفعل. وساهمت الطريقة التي أدارت بها الحكومة الإيرانية في تفاقم الأزمة السياسية، بعد أن دمغت مخالفيها بالعمالة للخارج وأوقعت قتلى في صفوف المتظاهرين، في تشديد الضغط على النظام بدلاً من تخفيفه.
انتهت التظاهرات مرحلياً بأن تركت شروخاً متداخلة على مباني النظام السياسي الإيراني، لكنها إن كانت قد عبرت عن أزمة لتيار الرئيس أحمدي نجاد وبوضوح، الا ان تعميم الوصف واعتبار أنها تشكل أزمة لكامل النظام الإيراني يبدو أمراً متعجلاً بعض الشيء. ربما كانت موافقة السلطات الإيرانية على الحوار مع المتظاهرين لو حدثت ستفتح الطريق لتكريس التباينات في صفوفهم، لأنهم لا يشكلون كياناً سياسياً موحداً ولا يلتفون حتى حول برنامج سياسي مرحلي. ولكن حكومة أحمدي نجاد فضلت الحل الأمني الذي لا يحل المشاكل من جذورها، وإنما يقود على الأرجح إلى تدهور صورة إيران في الخارج وتسهيل مهمة الغرب في تضييق الخناق على إيران تحت عنوان ملفها النووي.
لا يمكن المنصف إلا أن يلاحظ القدرات الإيرانية العالية على مراوغة الضغوط الدولية والنفاذ من الثغر الإقليمية، ولكن وفي الوقت نفسه لا ينبغي التقليل من شأن الضغوط الآتية على إيران من الداخل بشعارات الإصلاح ومن الخارج تحت عنوان الملف النووي، بحيث سيشهد العام الجديد 2010 ومن بداياته مقارعات ساخنة محورها إيران.
مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية – القاهرة
النهار 8/1/2010
==================
لا تسوية…
رنده حيدر
حمل العام المنصرم تغييرات مهمة في الحياة السياسية الإسرائيلية أهمها عودة اليمين الإسرائيلي الى السلطة برئاسة زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو، الأمر الذي أُعتبر مؤشراً واضحاً من جانب الجمهور الإسرائيلي الى أمرين أساسيين: اليأس من إمكان التوصل الى تسوية سلمية قريبة مع الفلسطينيين، وتزايد الخوف الإسرائيلي من خطر السلاح النووي الإيراني.
وقد وجد الإئتلاف الحكومي الهجين الذي شكله نتنياهو من حزب العمل ومن أحزاب اليمين المتشدد نفسه منذ الوهلة الأولى أمام تحديات كثيرة: في طليعتها إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما تبنيه حل الدولتين لشعبين ومطالبته إسرائيل الوقف الفوري للإستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وتعيينه موفداً خاصاً لتولي مسألة عودة المفاوضات المتوقفة بين إسرائيل والفلسطينيين. والتحدي الثاني كان التصدي للإنعكاسات الدولية السلبية التي خلفتها العملية العسكرية الإسرائيلية "الرصاص المسبوك" على غزة، والدخول في مواجهة مع المجتمع الدولي بعد صدور تقرير غولدشتاين الذي اتهم كلاً من إسرائيل وحركة"حماس" بارتكاب جرائم حرب. وإذا أضفنا الى ذلك تدهور العلاقات الخارجية يبن تركيا وإسرائيل، والأزمة بين إسرائيل والإدارة الأميركية، والتوتر في الصلة مع نروج وأسوج، والبرودة الكبيرة التي طرأت على العلاقة بين الأردن وإسرائيل احتجاجاً على السياسة الإسرائيلية ضد سكان غزة والضفة والسياسة الاستيطانية، لبدا لنا حجم التراجع السلبي الذي طرأ على المكانة الدولية لإسرائيل.
ولكن لم يؤدِّ هذا الجو الدولي الذي أقل ما يمكن وصفه به إنه "غير متعاطف" مع إسرائيل الى احراز أي انجاز سياسي، أو الحصول على تنازل يمكن أن يؤدي الى الخروج من الجمود الكامل للمفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل وذلك على الرغم من الشهور الطويلة التي قضاها الموفد الأميركي الخاص الى الشرق الأوسط جورج ميتشل في التنقل بين الطرفين. كما لم يطرأ أي جديد على صعيد تحريك ملف المفاوضات غير المباشرة مع سوريا، وذلك على الرغم من الرسائل الكثيرة التي تبادلها زعماء البلدين، والكلام الإسرائيلي الكثيرعن الأهمية الإستراتيجية لعودة المفاوضات بينهما.
وهكذا يظهر بوضوح أن تمحور سياسة حكومة نتنياهو على كيفية مواجهة الخطر الإيراني قد أدى الى غياب أي رؤية واضحة لها للتسوية مع الفلسطينيين. و سرعان ما تبين أن كل كلام نتنياهو عن سلام اقتصادي مع الفلسطينيين، وعن تسوية مرحلية هو مجرد شعارات خاوية من دون مضمون. وكل ما لدى نتنياهو هو انصاف تنازلات من دون رؤية، مثل إرضاء الإدارة الأميركية بالتجميد الموقت للبناء في الضفة الغربية لمدة عشرة أشهر، وتحميل رئيس السلطة الفلسطينية مسؤولية عدم معاودة المفاوضات. والاعلان عن رغبته في العودة الى المفاوضات غير المباشرة مع سوريا، واقرار قانون يفرض اجراء استفتاء شعبي على أي انسحاب إسرائيلي في المستقبل.
باختصار شديد، لا تملك حكومة نتنياهو أي رؤية سياسية للتسوية السلمية مع الفلسطينيين، وهي توظف كل جهودها في حل المشكلة الإيرانية، وهي مقتنعة بأن أشهر التجميد العشرة ستمضي من دون ان تسفر عن تقدم معين في الملف الفلسطيني، وأن أعمال البناء في المستوطنات ستعود الى ما كانت عليه، وأن الخلاف الفلسطيني الداخلي سيقف حجر عثرة في وجه المساعي التي تبذلها الحكومة الفلسطينية من أجل تحقيق دعم دولي كاف في حال تعثر المفاوضات مع إسرائيل للاعلان عن دولة فلسطينية من طرف واحد عاصمتها القدس.
إن الرؤية الوحيدة والحقيقية التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية الحالية هي كيفية معالجة خطر السلاح النووي الإيراني الذي لا يزال حتى الان خطراً افتراضياً. والعجز الكبير الذي تظهره الحكومة الإسرائيلية في تقديم رؤية متماسكة لتسوية الموضوع الفلسطيني، لن يترك خياراً أمام السلطة الفلسطينية غير المضي قدماً في مشروع الإعداد للإعلان عن الدولة الفلسطينية المستقلة عاصمتها القدس، وهذه المرة بدعم غالبية دول العالم.
النهار 24/12/2009
=========================




















