جرت العادة أن يعترف المسؤولون الأميركيون بأخطائهم، التي غالباً ما تكون كارثية، بعد رحيلهم وتركهم مناصبهم، لكن محطة (ABC) الأميركية أرادت استباق رحيل الرئيس جورج بوش لكشف جانب من جوانب هذا الشخص الذي حكم أقوى دولة في العالم على مدى ثمانية أعوام.
بوش عرّى نفسه بنفسه، وأسقط ورقة التوت عن عورة سياساته التي أدت إلى كوارث رهيبة في أربع جهات الأرض.
ففي المقابلة التلفزيونية التي بثت أمس الأول (الاثنين) ضمن برنامج «أخبار العالم» انهارت كل دعائم السياسة الأميركية التي اتبعتها إدارة بوش خلال أعوام ثمانية خلت، لتظهر الحقيقة ـ أو بعضاً من هذه الحقيقة ـ وليكتشف الأميركيون وشعوب الأرض معاً، أن القرارات الحاسمة في الاقتصاد والسياسة والحروب بنيت واتخذت استناداً إلى تقارير غير دقيقة، بل غير صحيحة.
يعترف بوش بأنه مسؤول عن التدهور الاقتصادي لأنه وقع أثناء حكمه، هذا التدهور الذي أدى إلى دخول الولايات المتحدة مرحلة الركود الاقتصادي منذ كانون الأول من العام 2007، حسب تقرير المكتب القومي للأبحاث الاقتصادية.
وماذا كانت النتيجة؟ مجرد التعبير عن الأسف لأن الأزمة المالية كلفت الأميركيين أعمالهم وأضرّت بحسابات التقاعد. لكنه لم يأسف لأن هذه الأزمة هزت اقتصاد العالم أجمع، وأضرّت بالدول الغنية منها والفقيرة، وكأن هذه الدول لا حساب لها في أجندة بوش والمحافظين الجدد.
الأخطر في اعترافات بوش المتلفزة أنه شن الحرب على العراق بناء على معلومات كاذبة إذ يقول، ونقتبس: «أشد ما أندم عليه خلال فترتي الرئاسية هو فشل الاستخبارات فيما يتعلق بمدى التهديد الذي مثله الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، للولايات المتحدة» انتهى الاقتباس ونضع بعده ألف إشارة تعجب ومليون إشارة استفهام!!
بل إن بوش ارتبك عندما سئل: هل كان سيأمر بغزو العراق لو كانت لديه معلومات دقيقة بأن صدام حسين لم يمتلك أسلحة دمار شامل؟ رد بوش بما يشبه الغباء: هذا سؤال مثير.. إنه مسألة لم أكن لأكررها.
ومرة أخرى لم تصدر عبارة اعتذار أو ندم أو أسف للشعب العراقي الذي دفع ثمناً باهظاً من دم أبنائه الذين سقط منهم أكثر من مليون شهيد وأكثر من ضعف هذا العدد من الجرحى والمعوقين، وأربعة أضعاف العدد نفسه من المهجرين، إضافة إلى تدمير اقتصاد دولة كانت مزدهرة وغنية فعادت إلى العصور الوسطى، لم يصدر أي اعتذار للعراقيين، إذ إن كل ما عبر بوش عن أسفه بشأنه هو أن «الكثير من الناس خاطروا بسمعتهم وقالوا إن أسلحة الدمار الشامل كافية للإطاحة بنظام صدام حسين»!.
هل يصدق أحد في العالم أن رئيس دولة عظمى يشن الحروب ويفتك بالبشر وينشر الفوضى والخراب استناداً إلى تقارير كاذبة أو غير دقيقة وموثقة؟ هل أرواح البشر ومصائر الدول والحكومات والشعوب بهذا الرخص إلى الدرجة التي تشن الحروب ضدها لمجرد الاشتباه بأنها قد تهدد أمن الولايات المتحدة؟!
وهل يعقل أن أمن دولة عظمى يمكن أن يكون مهدداً من قبل دولة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها عدد سكان مدينة أميركية واحدة؟
إذا كان الأمر كذلك، فما أوهى هذه الدولة العظمى، وما أغبى هذه الإدارة التي تتخذ قرارات كبرى وحاسمة في مجرى التاريخ بناء على تقارير استخباراتية «فاشلة»!.
إلا أننا نظن أن بوش اختار الطريق الأسهل لتبرير جرائمه وسياساته الطائشة. فأن يعترف بالغباء والجهل بالحقائق والمعلومات الدقيقة، أفضل له من أن يعترف أنه ارتكب كل هذه الجرائم وهو بكامل قواه العقلية ومع سبق الإصرار والترصد. لأن الشعوب حينها ستطالب بإحالته لمحكمة مجرمي الحرب لينال هو ومسؤولو إدارته خلال ثمانية أعوام العقاب الذي يستحقونه، وهو عقاب لابد أن يكون قاسياً ورادعاً.
وبغض النظر عمّا إذا كانت اعترافات بوش الأولية ناتجة عن جهل وغباء أو عن هروب من تحمل مسؤولية عن جرائم اقترفت عن سابق إصرار وترصد، فإن ما أقدمت عليه هذه الإدارة على مدى السنوات الثماني الماضية هي جرائم بحق الإنسانية لا يمكن أن تغتفر.
وربما سيأتي اليوم الذي يعترف فيه بوش أو بقية أفراد طاقمه، بالمسؤولية عما جرى في أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين.. وفي كل بقاع الأرض.
بوش اعترف ـ أخيراً ـ أن الأميركيين انتخبوا أوباما انتقاماً منه.. وهذا وحده خير دليل على أن الأميركيين أنفسهم أول من يدين بوش ويطالب بمحاكمته.. والبداية يجب أن تكون من الحزب الجمهوري الذي لطخ بوش سمعته بالأوحال، وجعله يفقد الأغلبية في الكونغرس. يجب أن يجلس بوش وإدارته على كرسي الاعتراف اليوم قبل الغد.. عندها ستظهر فضائح هذه الإدارة التي قادت العالم إلى الخراب على مدى الأعوام الثمانية الماضية.



















