أثناء الانتخابات الأخيرة لملء مقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ماساتشوستس، وهي الولاية التي أقطن فيها، حصل أمر بالغ الأهمية. غير أنّه لم يتضح كليّاً بعد بسبب الضجة الإعلاميّة الكثيفة التي أحاطت به.
ببساطة فاز الجمهوري سكوت براون بالمقعد الذي كان يشغله السناتور الراحل إدوارد كينيدي في ولاية يعتبرها الديموقراطيّون لهم. ويعتقد معظم المراقبين أنّ هذا الحدث وحده لن يثير التساؤلات حول نجاح مبادرة الرعاية الصحيّة التي أطلقها الرئيس أوباما فحسب، بل إنه سيفرض مزاجاً جديداً من الشك بالحكومة المركزية وبالإنفاق المبالغ فيه، لدرجة وضع معظم ما يتبقى من جدول الأعمال الداخلي للرئيس على المحك.
في ظل مثل هذه الادعاءات الواسعة والملحّة، من الحكمة بمكان محاولة معالجتها كلّها في وقت واحد. أولاً في ما يتعلّق بانتخابات ماساتشوستس بحد ذاتها، حيث أن نصف الناخبين فقط، أي 52 في المئة منهم، الذين تم تسجيل معظمهم بصفة مستقلين وليس كجمهوريين، اقترعوا لمصلحة براون. ثانياً، ينحدر جزء كبير من المقترعين لمصلحة براون من الطبقة الوسطى الغاضبة التي تعيش في المدن الريفيّة الغنيّة والتي تخشى أن تكون امتيازاتها بخطر، بشكل أو بآخر، وذلك بسبب الفورة الفريدة الاستثنائية للطاقة والحماسة التي كانت جليّة في اجتماعاته العامة الحاشدة كافّة خلال الأسابيع الأخيرة من حملته الانتخابية.
لقد استطاع براون، وهو الجندي السابق الأبيض الوسيم، أن يستفيد كثيراً من هذه الموجة العارمة من الاستياء الشعبي، وساعده أكثر على ذلك أن منافسته كانت سيدة، هي المحاميّة مارتا كوكلي. وكان يمكن التغاضي عن جنس كوكلي، حتى في ماساتشوستس الليبراليّة، لولا سلوكها البارد المتحفظ وحملتها التي لم يكن لها بريق خاص بها. والأهم من ذلك أنّه إلى جانب كوكلي، كانت هناك صورة الرئيس الأسود المثير للمخاوف، والذي تمّ وصفه بـ «الشيطاني» من قبل الرجال البيض الذين اقترع معظمهم ضده في العام الماضي.
لقد تمّ توضيح الكثير من الأمور من خلال الصحافة ومن خلال استفتاءات الرأي العام في شأن انتخابات ماساتشوستس. وسأورد في ما يلي نظرتي الشخصية لما أظن أن ذلك يعنيه. بادئ ذي بدء، يبدو جليّاً أن الأزمات الاقتصادية العميقة أدت الى سيادة إحساسٍ عميق بالاستياء بين صفوف من فقدوا بيوتهم ووظائفهم من جهة، ومن جهةٍ ثانية بين هؤلاء الذين لا يزالون يعملون ويخشون أن يتم اقتطاع جزء مما يملكون، فهم يخشون على سبيل المثال أن يؤثّر نظام الضمان الصحي الوطني في شكل سلبي على المكاسب التي يستفيدون منها من خلال النظام الحديث الذي تمّ وضعه في الولاية. وتحتّم هذه المخاوف عليهم أيضاً المزيد من الحرص بغية الحد من الإنفاق العام، بدلاً من صرف المال على البرامج الجديدة، في وقتٍ بلغ فيه الدين العام مستويات لم يدركها منذ ثلاثين عاماً.
كما أن هناك خشية أيضاً من التهديد الذي تمثله المنظمات الإرهابيّة الأجنبيّة والذي يظهر من خلال المحاولات الجديدة لتفجير الطائرات ومن خلال إظهار أن بعض بقع العالم يحتوي ملاذات آمنة، ما يدل على أن الحاجة الى رد عسكري أميركي باتت أمراً ضرورياً. ويؤدي الخوف عينه أيضاً، الى التشديد على ضرورة الحزم مع المتهمين بالإرهاب وعلى ضرورة منع محاكمة سجناء غوانتانامو في المحاكم الأميركية الداخليّة ومنع احتجازهم في السجون الأميركيّة المحليّة. قد تشير بعض الانتقادات الى تحكم وسائل الإعلام اليمينيّة بهذه المخاوف، وهذا صحيح مؤكداً. غير أن ذلك لا يعني أنها غير موجودة على الإطلاق ولا يدل على أنه لا ينبغي تخصيص بعض الوقت بغية محاولة مواجهتها من خلال علاقات عامة أفضل من تلك التي يبدو أن إدارة أوباما أقامتها.
هناك حاجة الى مهارات سياسية كبيرة والى أعصاب قويّة كي يمكن التعاطي مع كل هذه الأمور الى أن يبدأ الاقتصاد بالتحسن فيولّد معه وظائف جديدة وشعوراً بأن الأمور بدأت تتحسن بالفعل. وعلى رغم أن النتيجة صدمت الديموقراطيين في ماساتشوستس إلا أن حزبهم ما زال يظهر قدرة على استقطاب عدد المقترعين عينه الذي يستقطبه منافسوه. ومن جانب آخر، فإن أي إشارة الى الذعر وأي نوع من الإذعان لناخبي اليمين سيحبطان الديموقراطيين الأوفياء وسيكونان غير مقنعين للجمهوريين المتشددين على حدٍ سواء.
يبدو من خلال رد فعل أوباما حتى الآن أنه يعي ذلك ويسعى الى وضع ثقته في إجراءات كشن حملة على المصارف الكبرى ومواجهة ما يطلق عليه «المصالح القوية» التي تهدد بحجب أصوات المواطنين الأميركيين. كما أنه يفكر في سبلٍ تتيح له الوصول إلى أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الجمهوريين الأكثر اعتدالاً، والقلقين من الطريقة الذي يسيطر من خلالها المتعصبون على هذا الحزب، والذين يرغبون في تطبيق فحص صارم حول الإخلاص الكلي لهؤلاء الذين يشكل الرفض سياستهم الوحيدة لمواجهة أي أمر تقترحه حكومة واشنطن.
إنّ أميركا كما العديد من دول العالم الغربي دولة تملك معرفة صغيرة بتاريخها، فضلاً عن الطريقة التي يمكن أن تتغير بها الأوضاع بسرعة، وخصوصاً في عالم السياسة. وقد تبدو الأمور مختلفة بعد عامين عندما سيضطر براون الى الدفاع عن مقعده الجديد في مجلس الشيوخ عن ماساتشوستس في مواجهة خصم ديموقراطي أكثر إقناعاً منه. وقبل وقت طويل من حدوث ذلك، ستبلغ الاختلافات الأيديولوجية والتنظيميّة داخل الحزب الجمهوري حداً سيتم من خلاله عرض سياساته الناقصة والسلبية بأفضل طريقة ممكنة في البيت الأبيض وفي الكونغرس.
وفي الوقت الراهن، سيحاول الرئيس إعادة صقل نفسه حتى يصبح أكثر صلابة مع طموحٍ سياسي أقل، وكي يكون قائداً أكثر قدرة على الإقناع. هذا ما توجب على بيل كلينتون فعله بعد مضي عامين على وجوده في منصبه في العام 1994 في وجه الأكثرية الجمهورية في الكونغرس حيث كان يملك خيارات أقل بكثير من أوباما. كما ينبغي أن يبدأ الحظ بمحالفة أوباما لحل المشاكل الأساسية التي يواجهها منذ توليه الحكم، كالحروب والاحتلال العسكري المكلف في الخارج والأزمة الاقتصادية الداخليّة التي يبدو أنها بالغة السوء.
بالتأكيد، لا تحتاج أميركا الى الأمل وحسب بل تحتاج أيضاً الى مرحلة من الحوار الجدي ومن التحادث داخل كل من الأحزاب الأساسيّة وبين قادة هذه الأحزاب على حدٍ سواء. وإذا استطاع الرئيس أوباما إيجاد السبل لتشجيع مرحلة مماثلة سيكون بذلك قد قدّم معروفاً لا مثيل له لبلده.
* أكاديمي بريطاني – جامعة هارفارد
"الحياة"




















